في محطات عدة، تعود الأقلام إلى تداول ما يسمّونه «صفحة الجمر والرصاص»
باعتبارها أحلك فترة سياسية في تاريخنا الحديث: حقبة بكاملها من المشانق والإعدامات والاختطافات والرصاص والسجون والرعب والإرهاب… شهداء، ومعتقلات سرية ومخافر، وأعداد غير معروفة من مجهولي المصير… ديكتاتورية وسمت الذاكرة بالقمع على نحو أعمق مما وسمت الأجساد. قمع مدعوم من مراكز وأنظمة كان جلّ الناس، بمن فيهم أغلب الضحايا، يسوّقونها في خانة النماذج الديمقراطية… ومع ذلك، ومهما كانت تلك الفترة أعنف في تاريخنا السياسي الحديث، فالحقيقة أنه لا توجد، إلى حدود اليوم، قطيعة مع الديكتاتورية. ديكتاتورية الأمس التي اختطفت العديد من أبناء شعبنا، وأعدمت العديد، وأخفت معالم الجريمة إلى حدود اليوم، هي نفسها ديكتاتورية اليوم التي قدّمت ما تبقى من خيرات بلدنا المنهوب إلى الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، وأطلقت «صهينة» المجتمع من عقالها، بلا ستار ولا مواربة. بنفس أساليب الأمس: دهس، طحن، خنق، سجون، تعذيب، إرهاب، اغتيالات، غرف سوداء، مع اختراق وضبط التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية، وحصار كل من يقع خارج قبضتها…
أسلوب وممارسة صهيونية تُنسخ ليلاً ونهاراً…
الصهيونية صارت مرجعاً ومدرسة…
أي ديكتاتورية تسير على خطى كيان يقتل على المكشوف ويتلقى الدعم باسم «الدفاع عن النفس»…
لماذا ساد الترويج، في فترة ما، لطيّ «صفحة الماضي»؟ ومن روّج لها؟ إذا كانت «صفحة الجمر والرصاص» هي «أحلك فترة»، فلماذا لم تحدث قطيعة معها؟ المفارقة المرة: النظام نفسه هو من يروّج للقطيعة مع ماضيه، هو من هندس اللعبة، ومَوّلها، ووضع إطاراً لها، واستعملها كآلية طوارئ في حربه الباردة على شعبنا وعلى ديناميته النضالية، والتستر على تطوره في استنساخ آلياته.
النظام الذي كانت لديه ثلاثية «الله الوطن الملك» جاهزة لشرعنة كل أساليب الحديد والنار للحفاظ على استمراريته هو نفسه اليوم. الديكتاتورية لم تسقط أدواتها يوماً حتى نتحدث عن «صفحة» جديدة. كان الحاكم بالأمس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، واليوم الحاكم هو القائد الأعلى للقوات المسلحة… الديكتاتورية جدّدت آلياتها، ورسّخت بنيتها، وما زال المجتمع المغربي يسبح فيها. فعندما نرى اليوم اختراق الكيان الصهيوني المكشوف والواسع للمؤسسات السياسية والحقول الاقتصادية والثقافية… وكيف صارت الصهيونية تتسلل إلى تعليمنا بوتيرة متسارعة، وإلى عاداتنا وجغرافيتنا… فلا غرابة أن تتحول التجربة السوداء لداعمي «زوّار الليل» بالأمس إلى مرجع ومدرسة تنهل منه مؤسسات القمع والجريمة، لتحرّك أياديها في وضح النهار، دون الحاجة إلى اختيار الليل والتستر لتنفيذ الجرائم السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية…
إن كان اختطاف الشهيد المهدي بالأمس قد تطلّب أيادي الصهيونية من خلف الستار، فاليوم كل شيء يجري على المكشوف وعلى مرأى من الجميع…
صحيحٌ أنه طُويت صفحة/فترة الأيادي الدموية خلف الستار، واليوم ندخل فترة أيادي محترفي الإبادة الجماعية في العلن… هذا إذا أردنا حقاً أن ننظر بعمق، دون تلطيف، إلى واقعنا السياسي والاجتماعي الحالي. وكل هذا لا يُسقط مقاومة شعبنا وما يقدّمه من تضحيات وتحديات، في ظل تردٍّ سياسي ونقابي فظيع، وفي هجوم وصل حد تجريم حق الإضراب، وإخضاع القيادات السياسية والنقابية، وحصار وخنق كل الأصوات الحرة…
إن هياكل نظام اليوم هي هياكل بُنيت في الأمس…
هي نفسها التي لا تزال تشكّلنا…
أيادي الصهيونية في اغتيال الشهيد المهدي بنبركة ليست مجرد تاريخ، إنها الحاضر المتواصل أمام أعيننا…
إنه التحدي…
إنه محور من محاور سؤال: ما العمل؟
المجد للشهداء…
الخزي لتجار الدماء…
