2026/10/10

م.م.ن.ص// طلاب فرنسا في الشوارع.... جبهات الحرب متصاعدة، وجبهة هنا تُبنى في صمت..

 


شوارع فرنسا تهتز على طول البلاد، وترفع الستار عن بلدان الرفاه، وعن "ديمقراطية" يتغنى بها اليمين و"اليسار".

 قنوات الإعلام الدولية صارت مجبرة على المتابعة. صور القمع تجوب العالم. مئات الثانويات تحطم الأسوار وتجعل من الشوارع منبرا للتعبير وأداة للمقاومة وخوض الصراع.
اليوم التلاميذ والطلاب الفرنسيون، وإلى جانبهم العمال، يزيحون الستار عن "فرنسا القوية في القرن الحادي والعشرين" ليقولوا لشعوب الكوكب: تعالوا لرؤية الحقيقة، ويذكّرونا نحن المغاربة بكيف عرّت هواتف المقهورين البسيطة دعاية "أجمل بلد في العالم"..
هكذا يحدث دائما في التاريخ لشعارات أنظمة الاستغلال، الموجَّهة للاستهلاك ولتخدير الشعوب: تنكسر وتنكشف مع أول منعطف.
الطلاب في فرنسا يتحدثون أمام كاميرات العالم عن كونهم يتكدسون في مختلف الفصول، بين 28 و30 في المدارس الإعدادية، وفي الثانويات يصل العدد إلى 36.
لم يقتصر الكشف على أصواتهم، بل دخل على الخط صوت العمال وأطر التعليم بفرنسا في شخص النقابات التعليمية مثل SNES (Syndicat National des Enseignements de Second degré) التي أشارت في بياناتها المنددة بالقمع إلى أن "ظروف العمل بائسة وظروف التعلم صعبة. الطلاب هم مَن يعانون أكثر من غيرهم".
هل وضع التعليم الطبقي الآخذ في الانحدار والتدهور والتصفية، والذي تعمّق بعد سنوات من التقشف في الميزانية التعليمية، هو وحده شرارة السخط؟

إن التصريحات التلقائية للطلاب في الشوارع أمام الكاميرات لم تترك ما ينفي الواقع المزري الذي تعيشه المؤسسات التعليمية الفرنسية، لكن هذا الواقع لا ينفصل عن وضع عام تعيشه الأنظمة الإمبريالية والرجعية عالميا، وبالأخص الإمبريالية الغربية والأنظمة التابعة لها. فهي تمضي في مخططاتها الحربية في مرحلة تدخل فيها اقتصاداتها مأزقا، وتُقدم فيها على تصفية النفقات الاجتماعية لتغطية العجز والديون، ولدعم البرجوازية في المنافسة العالمية على الأسواق والممرات التجارية ومصادر الطاقة والمعادن النادرة.
وتظهر أرقام الاقتصاد الفرنسي علامات مقلقة، إذ يرتفع الدين العام إلى 3.6 تريليون يورو، وهو رقم يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي حسب جل المحللين الاقتصاديين! وهو ما ألزم النظام الفرنسي، في شخص حكومة ماكرون، بتضمين "تعديلات" في ميزانية 2027 بقيمة 54 مليار يورو لخفض العجز الحكومي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. منها 43 مليار يورو ستأتي من تخفيضات مباشرة في النفقات تتعلق بالمعاشات والإعانات، وتخفيضات في التوظيف في القطاع العام والضمان الاجتماعي (الصحة)، مع "تخفيضات" جديدة في الإعانات التي تقدمها الدولة. و18 مليارا أخرى ستدخل الخزانة الحكومية من ضرائب إضافية وزيادات في الضرائب القائمة بالفعل. كما تتحدث الأرقام عن 64 مليار يورو متوقعة لسنة 2027 لدعم النفقات الحربية، وهو رقم مضاعف مقارنة بما كان عليه في السنوات العشر الماضية. إضافة إلى نفقات إضافية أُقرّت بقيمة 36 مليار يورو حتى 2030، بهدف "التكيف الأسرع مع الأزمات الجيوسياسية الدولية"، مع العلم أن النفقات الحربية أُدرجت في بنود استثنائية لا تُحتسب في الديون والعجز، مما يجعلها تتصاعد بلا رقابة نحو قمم جديدة.
أما نصيب تلاميذ اليوم في السنوات القادمة فهو زيادة القوة العسكرية البشرية لتصل إلى 330,000، لتحجز لهم أماكن في ساحة المجازر، حيث تُدار عملية قتل الأخ لأخيه في جبهات الحرب من أجل تقاسم ثروات الكوكب بين أطراف البرجوازيات المالية العالمية.
إنها المخططات التي تتحمل تكلفتها العائلات العمالية والبرجوازية الصغيرة وجل الفئات المقهورة في حياتها المعيشية.
فرنسا ليست وحدها... والقادم أسوأ
ما يحدث في فرنسا اليوم ليس مجرد أزمة فرنسية. إنه جرس يدق على جدران الإمبريالية الغربية كلها والأنظمة الخاضعة لها.
لنفكر قليلا..
فرنسا، الدولة التي كانت تعتبر قلب أوروبا النابض ومعقل "الديمقراطية" المتغنى بها، تهتز اليوم؛ مئات الآلاف من الشباب، مدعومين من العمال والفئات المسحوقة، يهزون الشوارع، والنظام يخرج أدواته القمعية لحماية مصالحه، والمعركة صارت على المكشوف، صراع طبقي في صورة ناصعة وواضحة لا لبس فيها.

لماذا؟
لأن التعليم ينهار، والوظائف تختفي، والمكتسبات الاجتماعية تُنحَّى، والأسعار تُفرغ الجيوب، والدين العام وصل إلى 3.6 تريليون يورو، وهو رقم لا يستطيع العقل البسيط تخيله. هذا يعني أن الدولة تنفق أكثر مما تملك، وتقترض لتغطي فواتيرها. ومَن سيدفع الثمن في النهاية؟ العمال بالدرجة الأولى.. أنت وأنا، الناس البسطاء هناك في فرنسا، وهنا وفي كل بلد تابع.
وفي ألمانيا، الدولة التي كانت توصف بـ"قاطرة أوروبا"، التي هزتها فضيحة الاستخبارات، بدأ الناس يتساءلون: هل كان اليورو نعمة أم نقمة؟ وهو سؤال تنقله يوميا المواقع الإلكترونية.
وفي أوكرانيا، الحرب مستمرة بلا توقف. الصواريخ تسقط على المدن، والجسور تُدمَّر، والقادرون على الفرار يفرّون. والغرب يواصل ضخ الأسلحة وكأنْ لا نهاية لهذا الطريق المسدود.
وبالموازاة مع ما يحدث في فرنسا وأوروبا، هناك جبهة أخرى تتوسع رقعة نيرانها، وتتزايد أطرافها، وربما تكون الأخطر على الإطلاق.
الشرق الأوسط.
تركيا وباكستان دخلتا على الخط. ليس كمراقبين، بل كأطراف فاعلة، بعد توقيع أنقرة وإسلام آباد مع الرياض ما يُعرف بـ"تحالف مكة الدفاعي" – اتفاقية دفاع مشترك تنص على الرد الجماعي إذا تعرض أي طرف للهجوم. هذا ليس اتفاقا اقتصاديا. هذا حلف عسكري بكل ما تعنيه الكلمة.
والآن:
والآن تتدفق الأسلحة إلى السعودية ويحلّ بها الخبراء العسكريون من باكستان وتركيا..
· اليمن: الحوثيون يضربون مطارات سعودية ويهددون الملاحة في البحر الأحمر.
· إيران: تمسك بورقة النفط العالمي، من خلال مضيق هرمز والأصابع على الأزرار..
· أمريكا: تزيد من حشد أسطولها الحربي إلى المنطقة، وتزيد من خنق الممرات الحيوية لتأمين "السيادة الطاقية" الأمريكية.
· لبنان: غارات إسرائيلية مستمرة رغم كل الاتفاقات.
· غزة: وقف إطلاق النار على الورق فقط، وعلى الأرض تتواصل حرب الإبادة، وكل يوم شهداء وجرحى.
· الضفة الغربية: اقتحامات واعتقالات واعتداءات مستمرة ومتصاعدة واغتيالات يومية.
هنا على أرض هذا الوطن المسلوب، المغرب، جبهة صامتة تُبنى..
النظام القائم هنا عمّق خضوعه للاستراتيجية الصهيو-أمريكية. ولا يقف الأمر عند ما يُتداول من تطبيع دبلوماسي على الورق وإخراجه إلى العلن، بل هو خضوع عسكري وأمني واستراتيجي بمعناه الواسع. ومن الأرقام ما يقرّب المعنى.
بحيث:
· الكيان الصهيوني أصبح ثاني أكبر مورد سلاح للمغرب، بحصة تقارب 24% من إجمالي وارداته العسكرية.
· شركة "إلبيت سيستمز" الصهيونية (المورد الأول للجيش الصهيوني بالسلاح) أنشأت مصنعا على تراب بلادنا لإنتاج الذخيرة والمدافع الرشاشة والطائرات المسيّرة. أول شحنة ستخرج من المصنع في مارس 2027.
· منذ بداية العقد، تشير الأرقام إلى تجاوز صادرات الأسلحة الصهيونية إلى المغرب ملياري دولار.
ناهيك عن أرقام الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية..
لماذا يهم شعبنا كل هذا؟ ولماذا يترابط كل هذا؟
لأن دائرة الحرب تتسع. وكلما اتسعت ارتفعت الأسعار أكثر، وازدادت القدرة الشرائية للعمال وكل الأجراء والموظفين الصغار والتجار الصغار انهيارا، وارتفع عدد النازحين/الفارين من الموت. سواء كنت في المغرب أو في أوروبا أو في أي مكان آخر فأنت في قلب العاصفة.
السؤال ليس: هل ستصل الحرب إلينا؟
السؤال هو: هل نحن خارج الحرب؟
هذا ليس ترهيبا، هذا وعي.
من لا يفهم ما يحدث في الشرق الأوسط، وفي أوكرانيا، وفي أوروبا وتحديدا فرنسا، وما يحدث في ظل التطبيع الجاري، لن يفهم لماذا يرتفع سعر الخبز والبنزين. لن يفهم لماذا تزداد الهجرة. لن يفهم لماذا تتوسع دائرة الفقر والجوع، ولماذا تتصدع أوروبا نفسها.
وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ:
مَن يدفع ثمن كل هذا؟
البرجوازيات لا تدفع الثمن، فالبرجوازية تستخلص الأرباح، سواء البرجوازية المالية أو الكمبرادورية..
دافعو الثمن هم البسطاء، من عمال وفلاحين فقراء والفئات المتوسطة.
إذا كان هناك ما يتعاظم، فهو دور البرجوازية التابعة في المخططات الطاقية الأمريكية-الناتوية، وتورطها في الحرب المصاحبة لها، وما ينجم عن ذلك من مخاطر على الشعب.
وإذا كان هناك ما يتحصن، فهو "السيادة الطاقية" للولايات المتحدة، التي تُرسّخ بوابة دخول لغازها الطبيعي المسال الباهظ إلى الأسواق الأوروبية والبلدان التابعة ومن ضمنها المغرب.
وإذا كان هناك من يربح، فهم كل من يستثمر في انتصار المخططات الإمبريالية الصهيونية، لتزدهر أعمالهم وأرباحهم على ظهور العمال.
هم مصممون على قيادة الشعوب إلى صراعات وحروب جديدة لتأمين مصالحهم... ولهذا ترافق الاتفاقات الاقتصادية دائما اتفاقات عسكرية وتسليحات جديدة.
كل مليار يُدفع لشراء مدافع وصواريخ باليستية وطائرات بدون طيار، هو مليار لم يُنفق على:
· لقمة عيش الجائعين.
· الصحة المنهارة.
· مدارس بلا أساتذة ومجمعات بلا مدارس.
· شباب بلا شغل.
· فلاحين يعانون من الجفاف....
التسلح ليس حماية. التسلح تبعية.
السلاح، سواء جاء من الصهاينة أو من الإمبريالية، ليس عتادا للحماية، بل هو توجه. هو خدمة لمخططات إمبريالية صهيونية تربط استراتيجية البلد بمحور لا يخدم مصالح شعبنا، بل يخدم الأجندة الخاصة لأعداء شعبنا في المنطقة ولعملاء القوى الاستعمارية.
الحلف الصهيو-أمريكي لا يمنح المغرب شيئا مجانا، كما يُروَّج له.. فلكل صاروخ وطائرة ورصاصة ثمن يقطر من عرق الشعب، وثمن سياسي أيضا، أي المزيد من الارتباط، والمزيد من التبعية، والمزيد من الانغماس في حروب ليست حروبنا.
المغرب ليس في مواجهة خطر عسكري مباشر يبرر هذا الإنفاق الجنوني. لكن هناك مَن يريد إقناعنا بأننا مستهدفون، وأننا بحاجة إلى كل هذا السلاح... وهو يُسدل الستار على الحرب الحقيقية: حرب التفقير التي يزداد لهيبها، وحرب الأسعار التي يزداد ارتفاعها، والمستقبل الذي دخل نفقا ضيقا مظلما.





شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق