2026/10/24

م.م.ن.ص// العنف المرئي والعنف المخفي... أنظمة الاستغلال وكيف تعيد تشكيل الواقع حين يخرج الشارع

 

حين يخرج الشارع عن طوق السيطرة، أو حين يمس المظهر المادي للملكيات أو هيبة المؤسسات، فإن ردّ فعل النظام، أي نظام رأسمالي، لا يكون مجرد إجراء

 أمني تقني، بل تعبئة شاملة لترسانة القانون والإعلام والأمن لإعادة تعريف الحدث وتأمين النظام القائم. وما يجري في عقر أنظمة تُساق نماذجَ لـ"الحرية" و"الديمقراطية" خلال الأسابيع الأخيرة من أكتوبر 2026 يقدّم مادة خصبة لتدعيم هذه الفكرة.

فرنسا: بعد احتجاجات التلاميذ والطلبة، بدعم من العمال وأطر التعليم، والتي تحولت إلى انتفاضة واسعة على نظام الحرب والتجويع، أعلن الرئيس ماكرون أن التظاهرات ستكون "محظورة" ما لم تنظمها نقابات عمالية معترف بها، فيشرعن بذلك الدوس بالحذاء العسكري على دستور يكفل لجميع المواطنين الحق في الاحتجاج. هذا ليس حظرا أمنيا فحسب، بل إعادة تعريف لمن يحق له التظاهر. وهو ما يؤكد أن القانون نفسه تحول، في ظل الرفض لاستراتيجية لصوص الكوكب في التربص للحرب الإمبريالية، إلى خرقة بالية تُزاح جانبا لكونها لا تليق بـ"حفظ" النظام وتأمين تنفيذ استراتيجيته. والنتيجة: اعتقال أكثر من 1200 شخص في يوم واحد، وإلقاء قنابل صوتية مباشرة على التلاميذ والطلاب، مما أدى إلى بتر يدي تلميذين وسقوط العديد من الضحايا في صفوف الشباب المنتفض، مع تسجيل حالة استشهاد.

إيطاليا: بعد احتجاجات ميلانو وبولونيا على غلاء المعيشة، أعلنت الحكومة استعدادها لنشر 500 جندي في شوارع ميلانو، إلى جانب تشديد صلاحيات الشرطة.


ألبانيا: حيث خرج الطلاب ضد الفساد وتكاليف التعليم، ردت الشرطة بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، واعتقلت 167 شخصا (حسب ما تتداوله العديد من المواقع الإخبارية).

اليونان والبرتغال وألمانيا: حصل الأمر نفسه في كل منها؛ غير أن الإعلام الرسمي لم ينقل أن الشرطة استعملت القمع في حق الاحتجاجات، بل نقل أن "احتجاجات تحولت إلى عنف".

الأرقام هنا ليست مجرد إحصاء، بل رسالة: من يخرج عن الطوق يُحاسَب. وهذا بالضبط ما نصفه: حين يُعاد تصنيف الحدث من "مطلب اجتماعي" إلى "تهديد للأمن العام"، تصبح القوة المفرطة "استعادة للنظام" وليست جريمة في حق شعوب رفضت مخططات التفقير وسوقها إلى المسالخ.

النقطة الجوهرية: الخطر المعلن ليس المطالب نفسها، ولا رفض المخططات الحربية واستراتيجية اقتصاد الحرب، بل "الفوضى" و"العنف" و"تعطيل الحياة العامة". أي أن المظهر المادي (المباني، المحلات، حركة المرور) يصبح الذريعة التي تبرر تعبئة الترسانة الأمنية، بينما تُدفن المطالب الأصلية (الأجور، السكن، التعليم، الحق في العيش بكرامة، والسلام) التي تعلن رفض عنف برجوازي يدمر الشعوب يوميا، ويخرب المجتمعات، وفي مقدمتها منتجو الثروة، ويقود في الراهن إلى سفك دماء أبناء الفقراء من أجل تقاسم الغنائم بين لصوص الكوكب تحت خطاب "حماية الاستقرار".


ما يحدث لا يخص أنظمة الاستغلال الرأسمالي دون غيرها، من فرنسا إلى اليونان وإيطاليا والبرتغال وألبانيا، ولا الأنظمة الرجعية التابعة وحدها؛ بل تتكرر الآلية نفسها في كل مكان. فالترسانة الإعلامية والقانونية والأمنية لا تتحرك بشكل منفصل، بل تتكامل: القانون يعيد تعريف من يحق له الاحتجاج، والإعلام يعيد تعريف ما يجري (عنف لا مطلب)، والأمن يعيد تعريف النتيجة (اعتقالات لا استجابة).

والهدف المعلن دائما: "الاستقرار" و"هيبة المؤسسات" و"حماية الملكيات". أما الهدف الفعلي، كما تكشف التجارب الجارية، فهو حماية قواعد اللعبة نفسها من أي مساءلة تمس توزيع الثروة والسلطة. حين يخرج الشارع، لا يُسأل "لماذا خرج؟" بل "كيف نُخرجه من الشارع؟"، وهذا هو جوهر ما نصفه.

وهكذا تُقدَّم الصورة في قالب مقلوب يحوّل الحقيقة (مقاومة الشعوب لجريمة التدمير الجارية في صفوفها، وللعنف اليومي الذي يمارسه رأس المال في الأسواق بتجفيف جيوب الكادحين) إلى "خروج عن طوق السيطرة". كما يحوّل ما قد يترتب أثناء الدفاع عن الحق في الاحتجاج من مساس مادي بـ"الملكيات العامة" أو الخاصة أو بهيبة المؤسسات إلى تهديد لاستقرار مقدس وتعدٍّ على قواعد اللعبة.


لكن المثير للسخرية والتحليل معا هو العمى الانتقائي الذي تتبناه هذه المنظومة ذاتها حيال العنف الهيكلي الخفي الذي تمارسه بمخططاتها السياسية والاقتصادية ضد مطالب شعبية لا يتسع لها الحيز المالي للتحضير الحربي وربحية البرجوازية المالية، وحيال عنف الأسواق والشركات الكبرى والاحتكار ضد المستهلكين من عمال الشعب الكادح كل يوم.

عنف الشارع (المرئي والمباشر): يتميز بكونه صارخا ومفاجئا، ومجسدا في أشكال مادية (كسر، إحراق، صدام)، وهو مدفوع بقمع ملموس وعنيف في الميدان. هذا النوع يسهل تصويره وشيطنته إعلاميا وتجييش الرأي العام ضده بسرعة، لأنه يمس واجهة النظام القائم.

عنف المخططات والأسواق (المخفي والممنهج): هو عنف صامت وبطيء، ولكنه مدمر للشعوب ومخرب لاستقرارها وحياتها، وله آثار أعنف وأسوأ على الإنسانية أخلاقيا ونفسيا، وعلى مستقبل الأجيال القادمة. يتمثل أولا في سرقة قوة عمل الشعوب وثرواتها، والاستحواذ على فائض القيمة، وشرعنة مخططات لزيادة الاستحواذ على الثروة ومراكمة الأرباح، مما يقود إلى تضخم مفتعل وغلاء للمعيشة واحتكار للسلع الأساسية وتقليص للقدرة الشرائية وفرض أسعار جائرة، وتسليع الخدمات الضرورية كالصحة والتعليم والسكن، واستهداف الوعي والتربية والأخلاق من أجل إنتاج ثقافة الخضوع والاستسلام... هذا العنف لا يترك آثارا دامية في الشارع، لكنه ينهك الأجساد والأرواح، ويخرب الأخلاق، ويدمر ثقافة المقاومة، ويشوه المعرفة على مدى سنوات طويلة، وينسف استقرار فئات الشعب وطبقاته الفقيرة دون أن يثير استنفارا مؤسساتيا.

يقمعون جيلا يرفض أن يُعَدّ لتقبّل التوابيت ولتقبّل الحروب من أجل مصالح الرأسماليين... وكل هذا لأنهم يريدونه جيلا جديدا يتقبل التضحيات من أجل أرباح لصوص الحرب، وهم يعلنون جهرا، على لسان أغلب من يقفون على أهرام مؤسساتهم السياسية والعسكرية، أن الحروب عادت لتصل إلى أوروبا، وأنه يجب إعداد الشباب لجبهات الاقتتال بين الشعوب.




شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق