من اقبية "إبستاين" إلى قصف الشعب الإيراني .
في عملية تحوير وتمييع قضايا الشعوب العادلة والمحطات التاريخية الرمزية مثل الثامن من مارس، يوم المرأة الاممي، تتزين وسائل الإعلام البرجوازية بخطابات المناداة بـ"تمكين المرأة" و"حقوقها"، وتتوشح نساء النخبة والحكم بأغلى الأزياء، في لوحة استهلاكية بهدف اختزال الأنثى في جسد مزين للإعلانات وعنوان للرفاهية. لكن تحت هذا "البرستيج" الزائف، تفترش العاملات المشردات - سيكوميك، نماطيكس، NIKA sarl.. - أرصفة مكناس وطنجة ومدن أخرى مغربية، ويتلحّفن بموجة صقيع البرد الذي يضرب بلدنا.
وفي اليوم نفسه، تنهمر القنابل الأمريكية والصهيونية وقنابل حلف الناتو على إيران، لتتحول مدارس من فصول دراسية إلى مقابر جماعية للطالبات في عمر الزهور.
الضحايا في كل الجرائم والمخططات، لسن طبعا "سيدات مجتمع" يتربعن في المؤتمرات، بل هن عاملات تنتج الثروة لمصاصي الدماء، وفتيات يذبحن على مذبح الإمبريالية. أجسادهن لا تثير ضجة إعلامية، بل تُحتسب ضمن "الخسائر الجانبية" للحروب بمختلف تلاوينها - حروب النهب، وحروب الاسلحة الفتاكة-.
ومع ذلك، فكل شيء مترابط. خلف هذا المشهد الدامي، تلوح فضيحة إبستاين كالمشجب الذي يفضح قذارة المنظومة. إن "النخبة" نفسها التي تصدر قرارات الحرب فتحصد الأطفال في إيران وفلسطين ولبنان، وتعمل على اشعال فتيل الحرب بين المغرب والجزائر بهدف تنفيذ مخطط إعادة رسم خريطة العالم وفق مصالح القوى الإمبريالية المتنافسة، هي ذاتها التي كانت تتبادل "أشرطة التعذيب" والفتيات القاصرات كسلع في سوق سوداء للشهوات.
رسائل "إبستاين" عن "فتيات مراكش" – التي تكشف قبح ووساخة النظام القائم في المغرب – وعن "أجساد الأوكرانيات والروسيات" كسلع للتفاضل، تؤكد أن المرأة في عيون هذه البرجوازية العالمية، وفي عيون الخاضعين لرغباتها في بلدان التبعية والتطبيع، ليست سوى جسد يستغل: للدعاية تارة، وللابتزاز الجنسي تارة أخرى، وللتغطية على جرائم الحرب.
نعم، إنها "حرب قذرة" تشن في الخليج ضد إيران، تحت عناوين "التهديد النووي" الوهمي، تماما كما كان الحال قبل سنوات مع ملفات "أسلحة الدمار الشامل" الوهمية في العراق. بينما القنابل الحقيقية تمزق تلميذات المدارس، وتسرح العاملات إلى الشوارع بلا مأوى. الآلية نفسها تعمل في أوكرانيا حيث يثرى تجار الحرب الأوروبيون، وفي غزة حيث تبيد الأطفال والنساء يوميا بصمت. الفارق الوحيد هو أن هؤلاء "الجلادون"، الذين يلبسون بذلات أنيقة ويحركون منظمات نسوية وهمية، هم أنفسهم من يتصدرون قائمة ملفات "إبستاين" التي تنفجر بـ"قنابل إباحية، وسادية" قبل أن تفجر القنابل الحقيقية في سماء طهران.
إنه "النفاق البرجوازي" بعينه.
هنا في المغرب، لفقت محاكمات سياسية للصحفيين و"المعارضين" بذرائع أخلاقية، وسط صرخة هستيرية ضد "الاستغلال الجنسي"، في مقابل التصدر لقائمة "جنة ابستاين" والتورط على المكشوف، حد التقديس، في "المجازر المتتالية للأطفال والنساء" في فلسطين وإيران. إنها "أخلاق" أنظمة التبعية والإمبريالية، التي تختزل المرأة في "فستان مونيكا ليوينسكي" لإنقاذ رئيس من الإقالة بقصف يوغوسلافيا، وتحول تلميذات في "عمر الزهور" بمدارس إيران إلى مجرد أرقام في معادلات النفط والغاز.
الثابت اليوم هو أن ذئاب المال والسياسة تخرج في دورياتها لتدوير حوار "المساواة"، وشبح إبستاين لا يزال يلوح مبتزا خلف كل عرش، من دبي مرورا بالرباط إلى واشنطن وهو يعيد توزيع أدوار الجحيم. المدارس تُقصف، وأجساد الفتيات الصغيرات –في المدارس او الشوارع– تبقى السلعة الرخيصة الوحيدة التي تباع وتُشترى وتبيدها آلة الحرب. الظلم والجوع، والتشريد، والأمراض.. يوزعون على الشعوب.
انظروا إلى الأسماء التاريخية التي صوبت البوصلة نحو التحرر الحقيقي، ككلارا تسيتكين التي اقتحمت ميادين التحدي. اصخبوا على إيقاع دقات "دولوريس إيباروري"، "لا باسيوناريا"، رمز المقاومة التي هتفت "لن يمروا". كما تفعل اليوم عاملات "سيكوم" بمكناس وعاملات "سوماطيك" بطنجة. اقتدوا بتضحيات الشهيدة سعيدة المنهي، وهي التي حولت السجن الى ساحة للتضحية كي لا يكون غداً معتقل هناك. شموا رائحة هذه "الحضارة"، كما فعلت "روزا لوكسمبورغ"، قبل أن يقنعوكم أن دخول الجحيم هو "تقدم" و"تحرر"...






