2026/02/19

م.م.ن.ص// كوبا تحت الحصار: جريمة إبادة صامتة بغطاء القانون


عندما يُذكر اسم كوبا، لا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن مجرد جزيرة في الكاريبي، بل جريمة مستمرة منذ أكثر من ستة عقود. نحن لا نتحدث عن عقوبات اقتصادية عابرة،

 بل عن حرب خنق شاملة وممنهجة، هي الأطول والأقسى في التاريخ الحديث. هي سياسة أمريكية راسخة تهدف إلى إخضاع شعبٍ تجرأ على رفض الإذعان لإرادة الإمبراطورية، ومعاقبته لأنه اختار الكرامة على العبودية. 
الجريمة ليست دائما بالاسلحة والطائرات والصواريخ: كيف تحولت الهيمنة المالية إلى سلاح دمار شامل؟ 
الحصار الامبريالي لكوبا لا يعتمد على القوة العسكرية المباشرة فحسب، بل على سلاح أخطر وأدهى: إنه سلاح المال. إنه احد اسلحة الدمار الشامل التي تستعملها امريكا. ففي هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، تكمن عبقرية الشر الأمريكية. فمن خلال جهاز يسمى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، الذراع العقابية لوزارة الخزانة، تستطيع واشنطن تحويل قرارها الأحادي إلى واقع قاس يطبق بالقوة في كل بنك وشركة حول العالم. 
بما أن حوالي 88% من المعاملات المالية العالمية تعتمد على الدولار، فإن أي بنك أو شركة تجرؤ على التعامل مع كوبا تجد نفسها تحت مجهر هذا المكتب الجهنمي. دوره بسيط في وحشيته: 
1. يعمل على إدراج أي كيان يتعامل مع كوبا في القوائم السوداء.
2. فرض غرامات باهظة تهدف لتدمير أي منافس، مثل الغرامة التاريخية التي بلغت 9 مليارات دولار على بنك (BNP Paribas) لمجرد تعامله مع دول محظورة. هذا ليس عدلاً، بل إعدام خارج نطاق القانون لمن يخرج عن الطاعة. إنه الإرهاب المالي.
3. بث الرعب في القطاع الخاص العالمي بترهيب الشركات متعددة الجنسيات، حتى لو كانت صينية أو روسية، بحيث تفضل الشركات خسارة سوق كوبا الصغير على خسارة السوق الأمريكي الهائل. 
نتيجة هذا الإرهاب المالي هي حصار خانق لا يرحم. البنوك الدولية ترفض اليوم أي معاملة تحمل كلمة "كوبا"، حتى لو كانت لشراء غذاء أو دواء. شركات الشحن العالمية تهاب الرسو في الموانئ الكوبية خوفا من عقوبة "الحرمان من دخول الموانئ الأمريكية". وإذا استحوذت شركة أمريكية على مصنع في أي بلد، وله تعامل مع كوبا، يتم وقف توريد منتوجاته الى كوبا فورا. وهو الشيء الذي حصل بعد شراء الشركة المتخصصة في صناعة أجهزة التنفس بسويسرا، حيث تم الغاء العقود على الفور، ومنع توريد الاجهزة الى المستشفيات الكوبية، وكأن حياة البشر لا تساوي شيئاً أمام أرباح الإمبريالية الامريكية. هذا هو معنى "الإرهاب الاقتصادي" بعينه. 
لكن ماذا عن بقية بلدان العالم وبالاخص التي تدين الحصار على كوبا كل سنة وسط مقر الامم المتحدة؟!  
هنا يتجلى الوجه القبيح للمجتمع الدولي. 187 دولة تصوت في الأمم المتحدة، عاماً بعد عام، لإدانة هذا الحصار. تصويت يدوسه الواقع بأقدامه! تصوت هذه الدول ضد الحصار، بينما بنوكها وشركاتها تطبقه بكل دقة خوفاً وجبنا من سيدها الأمريكي. هذا هو عصر النفاق الدولي بامتياز. 
أما عن "أصدقاء" كوبا، كروسيا والصين، فالحقيقة مرة  ويجب البوح بها: المصالح الخاصة تنتصر دائما على مبادئ مناهضة الهيمنة الامريكية. روسيا منشغلة بحربها ومصالحها في تصدير منتجات الطاقة والحبوب وتجارة الاسلحة. والصين، أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، غير مستعدة لخسارة علاقتها الاقتصادية الأكثر ربحاً من أجل جزيرة صغيرة. اما شركات الشحن الخاصة في هذه الدول تحكمها قاعدة الربح، ونقل البضائع إلى كوبا تحت التهديد الأمريكي ليس مربحا. لقد تحولت شعارات "بريكس" ومناهضة الهيمنة إلى مجرد ديكور سياسي ينهار عند أول اختبار حقيقي. القارب الذي راهن البعض عليه لم ينقذ أحداً، بل بات يتسرب إليه الماء من كل مكان. 
والسؤال: لماذا تريد أمريكا تدمير كوبا؟ 
لماذا كل هذه الوحشية؟ لأن كوبا ارتكبت "الخطيئة الكبرى" التي لا تغتفر في نظر واشنطن: لقد أثبتت أن النجاح ممكن من دون الخضوع لرأس المال. 
قبل الثورة، كانت كوبا "بيت دعارة" للمافيا الأمريكية في عهد باتيستا. بعدها، تحولت إلى مجتمع استطاع، رغم الحصار، أن يبني: 
· نظاماً صحياً فريداً: يقدم رعاية مجانية للجميع، مع نتائج تضاهي الدول المتقدمة. متوسط عمر مرتفع، ووفيات أطفال منخفضة، وأطباء لكل مواطن يفوق نسب العالم الأول، بل وأطباء يرسلون لإنقاذ ضحايا الأوبئة في أفريقيا والعالم. استطاعت تطوير لقاحاتها الخاصة وأدوية مبتكرة لعلاج السرطان، تحدياً لكل الصعاب.
· نظاماً تعليمياً استثنائياً: مجاني بالكامل، قضى على الأمية، وخلق جيلاً من العلماء والمثقفين.
. فرض السيادة الشاملة ورفض اي تدخل في شؤونها. 
هذا النموذج، الذي يضع الإنسان فوق الربح، هو الخطر الحقيقي على فلسفة النهب والاستغلال الرأسمالي. هذا النجاح هو سبب الحصار. ولو كان النظام الكوبي سينهار من تلقاء نفسه، ما كانت الإمبريالية الامريكية لتنفق كل هذه العقود والموارد لخنقه. الإمبريالية تريد تحطيم "الرمز" قبل تحطيم البلاد.

 فكوبا هي غزة الأخرى عبر عقود من الزمان، يعني: جريمة مستمرة على الجانب الآخر من العالم عنوانها التجويع  وقطع كل مقومات الحياة. 
اليوم، تتحدث التقارير عن تفاقم الوضع في 2026، مع تحول الحصار إلى عدوان عسكري مباشر عبر مصادرة ناقلات النفط وتهديدها. مشهد "غزة" على الضفة الأخرى من كوكب الأرض. حصار شامل، تجويع، حرمان من الماء والدواء، وصمت دولي وتواطؤ ينتهجه الإعلام الغربي الذي يقلب الحقائق ويصور الضحية على أنه المعتدي. 
"كوبا هي غزة الأخرى" على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تختنق بصمت بينما العالم يتفرج. 
كوبا المنارة التي ابت لعقود ان تنطفئ. كوبا أكثر من مجرد بلد. هي فكرة، ورمز، ومنارة. هي التذكير الحي بأن الكرامة ممكنة، وأن المقاومة واجبة، وأن الإمبريالية مهما بلغت وحشيتها يمكن أن تهزم. صمود هذا الشعب الأسطوري لأكثر من 60 عاماً هو الذي أرغم الإمبريالية الغربية على النزول إلى هذا المستوى من الوحشية. ربما يخفت الحلم أحيانا في ضباب الحصار والجوع، لكن النور الذي أشعلته كوبا في طريق التحرر سيبقى دليلا لكل من يسير على خطى تحرير الانسان من استغلال اخيه الانسان..





شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق