تكتسب السحب الحربية كثافةً متصاعدة... ففي سعيها الحثيث لتأمين الأرباح الطائلة، تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها نهب ثروات الأمم، والهيمنة على
مصادر الطاقة والأسواق والطرق التجارية الحيوية، مع تعزيز التمركزات العسكرية في النقاط الاستراتيجية. ووسائل الإعلام الدولية -التي تُدار من مراكز القوى ذاتها- تنقل أخبار تطويق منطقة الشرق الأوسط بالعتاد المدمر، حيث تتعاقب على الشاشات لغة التهديد العسكري الصريح والدبلوماسية القائمة على الابتزاز والاخضاع.
وقد اختزلت هذه الأجواء كلها في تصريح الرئيس الأمريكي، (أحد الشخصيات التي تتقدم فضائح/جرائم اكلي لحوم البشر على جزيرة إبستين)، يوم الخميس 29 يناير 2026، حين أعلن أن الولايات المتحدة لديها "أسطول" يتجه نحو إيران، معربا في الوقت ذاته عن أمله "ألا يضطر إلى استخدامه". وفي منشور له، وهو يستعرض القوة العسكرية الأمريكية بالحديث عن الأسطول الذي تتقدمه حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في الخليج العربي، قال: "لنأمل أن تأتي إيران سريعا إلى طاولة المفاوضات وتتفاوض على اتفاق عادل ومتكافئ -لا أسلحة نووية- اتفاق سيكون جيدا لجميع الأطراف. الوقت ينفد، إنه أمر جوهري حقا! كما قلت لإيران ذات مرة: ابرموا اتفاقا! لم يفعلوا، وجاءت ''عملية مطرقة منتصف الليل''، دمار هائل لإيران. الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير! لا تدعوا هذا يحدث مرة أخرى". وقد جاءت هذه التصريحات في أجواء إعلامية خانقة، لا تختلف عن "مسبح الجريمة" في جزيرة إبستين نفسه.
وردا على ذلك، أعلن التلفزيون الحكومي الإيراني أن بلاده "ستتعامل مع أي احتمال"، وأن طهران تستعد لجميع السيناريوهات. ثم تلاه البيان الدبلوماسي لبعثتها في الأمم المتحدة: "إيران مستعدة للحوار المبني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ولكن إذا تم الضغط عليها، ستدافع عن نفسها وسترد كما لم تفعل من قبل!".
وهكذا دخلت المنطقة مرحلة "الدبلوماسية الخشنة" على الأراضي التركية، هذه المرة عبر وساطة تركية–سعودية، حيث تبنت الولايات المتحدة استراتيجية "الإخضاع" من خلال شروط الامتثال التي تضع إيران أمام خيارين مريرين: إما قبول نزع مخالبها العسكرية والسياسية ثمنا لشراء وهم الأمن وضمان طوق النجاة لاقتصادها ونظامها، وإما الانحناء الكامل أمام الهيمنة الأمريكية والصهيونية والحلف الأطلسي، وذلك في إطار المخطط الرامي إلى تضييق مساحة المناورة للقطب الأوراسي (روسيا والصين). وهو السيناريو ذاته الذي عاشه النظام الفنزويلي، عندما قُدم رأسه ثمنا للأمن وعربونا للامتثال، سعياً وراء "نصر دبلوماسي أمريكي" أو استمراراً للحصار وترهيباً بشن الحرب.
كل هذه التطورات لا تأتي من فراغ، بل تجري في سياق اشتداد التنافس الإمبريالي على الزعامة العالمية بين الولايات المتحدة والصين، وتصاعد تناقض المصالح داخل الطبقة البرجوازية الأمريكية ومع حلفائها التقليديين. إنها ظروف تشهد شرخا عميقا في النظام الدولي، حيث أن التحالف الأطلسي لا يمر "بأفضل أيامه"، لأن المصالح المشتركة التي جمعت الحلفاء في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية باتت تتباعد، حتى أن "الثوابت" القديمة لم تعد تعمل كما كانت، وكشفت نيران المنافسة أن الحلفاء التقليديين – في أوروبا وكندا – لم يعودوا سوى وقودا لها.
وعلى الجانب الآخر، في العاصمة الروسية موسكو، استقبل بوتين بحفاوة "الجولاني" – أحد رموز مختبرات الإرهاب الأمريكي–الصهيوني في المنطقة – مهنئا "جهوده"، في إشارة إلى أن روسيا تدعم "استعادة السلامة الإقليمية" لسوريا، وهو خطاب يخفي المصالح خلف ستار عمليات تصفية الخصوم ونشر الارهاب وإدامة لنمط الهيمنة عبر أدوات متنوعة.
أما من المملكة المتحدة، فقد صرح رئيس وزرائها "ستارمر" – الذي تولى المنصب بعد فوز حزب العمال في انتخابات يوليو 2024، والمصنف ضمن الجناح "الوسطي" أو "الاشتراكي الديمقراطي المعتدل" – بأنه من "المصلحة الوطنية" لبلاده التعاون مع الصين لأنها "ثاني أكبر اقتصاد في العالم"، وذلك بعد زيارته الأخيرة لها.
هكذا، يُؤدي تصاعد المواجهة على الزعامة والاستعداد لصراع إمبريالي معمم إلى إعادة ترتيب للمعسكرات – وداخلها أيضاً – وتظهر في الوقت ذاته شروخ حتى في تحالفات بدَتْ أبدية وغير قابلة للزعزعة.
من ناحية، تنشأ هذه الكيانات والتحالفات الجديدة – مثل ما يُسمى بـ"مجلس السلام" – وتتحرك على الساحة الدولية كأدوات ومذابح تقدم عليها الشعوب، بدمائها ومواردها، من أجل ترتيب مصالح القوى الإمبريالية الكبرى.
ومن ناحية أخرى، تفسر هذه الخطوات كمحاولات من القوى المهيمنة – وعلى رأسها الولايات المتحدة – لتكييف تحالفاتها مع المعطيات الجديدة التي يفرضها التنافس الاستراتيجي مع الصين، حيث أن الصيغ القديمة لم تعد "تناسب" المصالح الأمريكية كما في السابق، وإن لم تنفصل عنها بالكامل.
فماذا تعني كل هذا التحركات والتطورات للشعوب؟
إنها تعني، في الجوهر:
1. تصاعدا أكبر للتنافسات الإمبريالية، على حساب أمن الشعوب واستقرارهم ومستقبل أجيالهم.
2. تكثيفا أشد للاستغلال الاقتصادي والنهب المنظم لثروات الأمم.
3. تسريعا للمسار غير القابل للعودة نحو المواجهات والصدامات المسلحة المدمرة.
4. تضحيات جديدة تفرض على الجماهير: جوعا وحرمانا وتهميشا، لمصلحة تراكم رأس المال.
5. الاستعداد لتقديم أبناء الشعوب أنفسهم كوقود في ساحات المعارك الإمبريالية، دفاعا عن مصالح لا تمت لهم بصلة.
والنتيجة الحتمية لهذه المعادلة الفاسدة، في ظل غياب قوى ثورية قادرة على قيادة نضال الشعوب وقلب معادلة الصراع، هي: مزيد من المعاناة والدمار للشعوب، ومزيد من الأرباح والأمن للقوى المهيمنة.
