2026/05/01

م.م.ن.ص// فاتح ماي: بين الذكرى والواجب والخيانة والمجازر

  


140 عاما على مايو شيكاغو... والثورة لم تنته بعد. 

140 عاماً على مايو شيكاغو والعالم "يشتعل"، والهجوم على الشعوب يتواصل. 
في الأول من مايو 2026، ونحن نعيش في عالم "يشتعل" بالحروب والأزمات، زمن تتصارع فيه الإمبرياليات على أوصال الشعوب، وتُفتح فيه الجبهات من أوكرانيا الى إيران ومن غزة الى كوبا، ومن السودان إلى مالي، نمسك بالخيط الأحمر الذي يربط نضالات الطبقة العاملة عالمياً، ليس من أجل شعارات، بل من أجل عالم بحجم أحلام الناس. نواصل السير على الطريق الذي خطه أبطال ورواد النضال الطبقي، من أبطال شيكاغو عام 1886، حتى شهداء شعبنا الذين سقطوا في ساحات الانتفاضات وفي الزنازين. 
نواصل السير. 
الطريق طويل، والموت قريب، لكن اليقين ثابت: لا شيء يمنح مجانا، وكل متر من الحرية يدفع بالدم. 
نخلد اليوم فاتح ماي وسط الطبقة المغربية، وصوت "الاسف" يتردد مجددا على مسامعنا من طرف القيادات البياعة والجبانة.
"للاسف ف هذ اللقاء م كاينش مؤشر الزيادة ف الاجور.." هكذا يعيدون التعبير من خلال منصات مزينة بأعلام "اليوطي" وكأنها تبرر باسم الجريمة، وكأن العمال ينتظرون الإذن بالغضب.
لا مزيد من اللغط.
الطبقة العاملة لم تعد تمضغ ديماغوجية البيروقراطيين، كما لم تعد الشعوب تنخدع بإدانات مجلس الأمن وهي عاجزة عن وقف المجازر.
القيادات النقابية باعت وتاجرت وصارت مجرد دمى وكراكيز في العرض المسرحي السياسي لمخرجه النظام القائم، وتحولت من حارس النضال إلى حارس رأس المال.
هذه الفاكهة الفاسدة: التجسيد الحي للانتهازية والخيانة، خدعت الشعب وباعت العمال طعنتنم في الظهر في كل لحظة حاسمة -في كل الهزات العنيفة-، تاجرت بدماء الشهداء وحولت ذكراهم إلى فولكلور خطابي، وتعاونت مع النظام بدافع تقوية المؤسسات كما تقول دوما، لتساهم بمناوراتها في تمزيق الرعاية الاجتماعية، وتجميد الرواتب، والمعاشات،.. وعانقت بيد، وبشغف، من شرعوا البلاد امام تحالف الإبادة الجماعية، وحولوها إلى كرم غير مسيج، حيث الكيان الصهيوني والأمريكيون والإمبريالية الغربية ككل يدوسون بلا رادع.  وباليد الاخرى لجمت وتلجم نضالات العمال. تواطأت الى جوار القياداة السياسية التي تحسب على "المعارضة" في تمرير مخططات التقشف القاسية، وتمرير تحرير الاسعار والطاقة لتفقير الملايين، وفي نهب الصناديق الاجتماعية، ودفن الوظيفة العمومية، وتجريم سلاح العمال - الاضراب-، والتفنن من داخل ما يسمى بالحوار الاجتماعي لاضفاء الشرعية على تجميد أجور المسحوقين وكل من هم "تحت"  وتأمين الاستغلال كضمانة لزيادة أرباح المستثمرين وأصحاب المال، وتكريس مزيدا من البؤس للكثيرين. وكان الهدف ليس فقط تقوية المؤسسات التي تعمل وفق قوانين فاسدة، سيرا على موضة دعاة المجتمع المدني أن المؤسسات تخدم طبقة معينة، بل تحصين مصالح قوى الاستغلال. فكلما كانت المؤسسات أفضل وأكثر تحصينًا، كانت مصالح القوى المهيمنة أكثر تحصينًا. 
إن شعبنا قد يعيش نكبات كلما نجح المنهزمون والبياعة والانتهازيون في تحييد نضاله عن المسار الصحيح، بمعنى كلما ابعد عن مهمة توجيه النضال ضد النظام الحقيقي، وضد كل من يؤمن استمرار البؤس.
فإذا لم يصل نضال شعبنا إلى مقاومة جوهر السياسة التي يريد تغييرها، فلن يحصل أبدا على اليقين بأنه لن يواجه مرة أخرى الواقع الذي يعمق من مأساة اليوم..
لذا، يجب أن يخرج إلى الشوارع ما يغلي في الداخل. ليس كمجرد غضب يمتصه الصراخ في الشارع يوم فاتح ماي، او في الدعوات لمسيرات ممركزة، متحكم فيها. فما يغلي في الداخل لن يخدم القضية اذا بقي مجرد غضب. يجب أن يكون الغضب مطالبا واستمرارية على هدف لا احتجاجا موسميا. يعني يجب أن يكون نضالا من أجل أهداف واضحة ومنسجمة وتكون له استمرارية، وموجه ضد النظام الحقيقي،  وليس بهدف تغيير ملابس الحكومة، او استهداف نظام يوصف ب"نظام  مخزني". فالعداء بشكل سطحي او كموضة لن يخدم قضية الشعب وفي المقدمة مشروع الطبقة العاملة. 
وبالمناسبة نعيد الاشارة كما سبق في اعمالنا الموقعة باسم  "تيار البديل الجذري"، ان مفهوم "النظام المخزني" الذي يروج له البعض ليس أكثر من مفهوم شعبوي مختزل، يختزل النظام في فساد المؤسسات والبناء الهرمي للسلطة، دون أن ينظر إلى النظام كبناء اقتصادي وسياسي واجتماعي متكامل، يتشكل أساسًا من خلال علاقات القوى الطبقية وارتباطاتها بمنظومة الإنتاج.
النظام، الذي يبدو أكثر فأكثر كمفهوم مجرد عندما يُطرح بهذه الطريقة، ليس شيئًا ثابتا أو غامضا يمكن تفسيره بشكل عشوائي، بل هو بناء اجتماعي وسياسي واقتصادي حي يتشكل من خلال تفاعل القوى المختلفة في المجتمع. ومع ذلك، فإن محاولات اختزاله في "المخزن" أو في حكومة معينة أو مؤسسات فاسدة أو وسائل إعلام كبرى، ليست سوى تبسيطات شعبوية تخفي جوهر النظام الحقيقي: علاقات القوى الطبقية، وصراع المصالح حول وسائل الإنتاج، والتوزيع غير العادل للثروة والسلطة.

 هذه العناصر المختزلة (كالأجهزة أو المؤسسات الفاسدة) ليست سوى أجزاء صغيرة من صورة أكبر، تُستخدم كقناع لإخفاء البنية الطبقية العميقة التي يعيد إنتاجها النظام فعليا. 
إن الفضاء الاجتماعي المغربي بأكمله لا يتشابه أبدا في التصورات والآراء والسلوكيات،.. ففي المغرب، يظل إرث الصراعات الطبقية الصغيرة والكبيرة بين النظام والجماهير الشعبية قوي جدا في ذاكرة الناس.
الشعب يعرف من خان المقاومة المسلحة وجيش التحرير ويعرف من خان شهداء الانتفاضات، ويعرف من اختار إنقاذ النظام من "السكتة القلبية" ويعرف من باعه الأوهام. ويعرف من خان انتفاضة وشهداء و"حركة 20 فبراير" ولم تعد كل الخطابات المنمقة تنطلي عليه، رغم حجم ما تروجه امبراطورية الاعلام الموجه. 
وهكذا، نقول اليوم بكل تأكيد أن الشعب المغربي، بسبب هذا الإرث، لم يصمد أمام دوي الانهيارات الكبرى مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات فحسب، رغم توبة فرسان السجون وقيادتهم لموضة الردة، ورغم ارتماء شيوخ "الحركة الوطنية" في هندسة انقاذ النظام السياسي من "السكتة القلبية" واجماع هذا الكل على التهليل لشعارات الامبريالية، "النضال الديمقراطي" و"حقوق الإنسان"، بل ديس كل هذا اللغط في الشوارع مع اندلاع انتفاضات 2011 بشمال افريقيا والتي وصل لهيبها الى "وول ستريت" ويثبت ان خيار "إسقاط النظام" هو معركته الأبدية ليس فقط ضد النظام بل ضد قوى الانبطاح والإصلاح. وهكذا، وكانه يتبع حكمة تشي: "لا يهمني أن أسقط، طالما أن هناك شخصا آخر يلتقط سلاحي ويواصل إطلاق النار." او الحقيقة الأبيقورية العظيمة التي تقول "كل شيء هو أن تكون قادرا على النهوض عندما تسقط... ومواصلة الحرب". 
ولكن الإيمان بالهدف العظيم المتمثل في "اسقاط النظام" كما عبرت عنه بشكل عفوي الانتفاضات (2011) المجيدة في شمال افريقيا والشرق الاوسط لا يكفي، بل يتطلب أيضاً أن تشحذ أدوات فن الطبقة الثورية جيدا، حتى تكون دائما متقدمة بخطوة واحدة. ومن بين أدوات الطبقة العاملة اولا تنظيمها السياسي، وثانيا كيف تضع في أذهان العمال بوضوح، في اتصالها بالحركة الشعبية الجماهيرية، ما هو ممكن وما هو غير ممكن. وأن ما يبدو مستحيلا اليوم يجب أن يفهمه المقاتل الرائد وأن يفسر للناس العاديين كيف سيكون ممكنا غدا. 
وكما تربك الإيديولوجية البرجوازية عقولنا بألف حيلة وحيلة، يجب علينا أن نقنع العمال بما يقدمه البرجوازيون بطريقتهم على أنه مستحيل، وأن نظهر بطريقتنا أنه قد يكون ممكناً في وقت آخر. وبهذه الطريقة، سيتم بسهولة كبيرة فك حواجز الإيديولوجية البرجوازية التي تعيق وعي الطبقة العاملة. وإننا في "تيار البديل الجذري" مقتنعون اقتناعا راسخا أن الطبقة العاملة الى جانب جماهير شعبنا الكادح من فلاحين فقراء وطلبة وباقي الفئات الدنيا، لديها القدرة على جعل أي من المستحيلات التي لا يمكن تحقيقها ممكنة بوضوح. 
واليوم، جميع الشعوب تعيش الهجمة الشرسة لحلفاء هذا النظام، تلك الاحتكارات الغربية التي لا تتردد في ارتكاب المجازر الجماعية وهدم مدن بأكملها وتحطيم حضارات، وتجويع الشعوب والامم، من أجل الأرباح، من اجل اقامة "ريفيرات" وممرات لنهب الطاقة على هياكل الأطفال. وحصار الشعوب التي ترفض الخضوع مثل الشعب الكوبي، والشعب الفلسطيني، والشعب الايراني.. "إنهم لا يرحمون". وما "مجلس السلام" بالنسبة لهم إلا لمواصلة الجريمة بصمت وبدعم اعلامي يبعد الانظار عن ما يجري على الارض من حصار يفوق حصار ألمانيا في الحرب العالمية الأولى حيث نجح الحصار في خنق الشعب الالماني لحد صار فيه الطعام مفقودًا، والفحم مفقودًا، والأدوية مفقودة، والضروريات الأساسية مفقودة، ناهيك عن عدد الوفيات التي عجزت المانيا عن احصائها، قبل استسلامها النهائي وتوقيعها معاهدة "فرساي". 
هذه الجريمة الدولية التي تجري امام عيوننا تعطي الأمر للنظام القائم ببلادنا والخاضع والمنفذ المطيع لاهداف تحالف القتل الدولي، بالهجوم بإجراءات ومخططات شرسة معادية للشعب وبالأخص الطبقة المنتجة للثروة لتحميلها نصيب من تكلفة الاجرام الدولي. وأكيد أن العبء يقع على جيلنا لمعارض لهذا الوضع، وعدم قبول التضحية به من أجل أرباح المجموعات الاحتكارية، وفقدان الامل في حياة كريمة.  إن هذه السياسة تغضب الطبقة العاملة، وكل القاعدة الجماهيرية المكتوية بنار السوق والاجهاز على الخدمات الاجتماعية. والجيل الرافض للخضوع والذي يواصل في تقديم ضرائب التضحية بارواحه وبحريته، هو الوحيد القادر على التعبير عن هذا الغضب. ونؤكد أن "لدينا عالمين" يتصادمان: من ناحية، هناك كل من وضعوا اياديهم مع القتلة ومجرمي الحروب من نظام واذياله والذين يرون الحرب والتغلغل الصهيوني في بلدنا بعد ان أنهى مرحلة التطبيع، كفرصة للربح، ومن ناحية أخرى، عالم العمال والكادحين عموما والشرفاء،  عالم النضال والتضحية، الدرب الذي سلكه شهداء الانتفاضات وقبله المقاومة وجيش التحرير، وشهداء معارك السجون، وهو الدرب الذي يقع على عاتق البدائل التي تنمو وسط شعبنا، وتلك المطلوب بناؤها، أن تسلكه. 
وبالمناسبة نقول إن كانت استراتيجية النظام الاعلامية تشتغل على تسهيل النسيان لذا شعبنا. لأن النظام يعرف جيدا انه بدون ذاكرة  يستحيل الحكم والفهم لما يجري من حولنا. فمهمة إحياء الذاكرة وانعاشها والرفع من وعي الجماهير هي مهمة لا تقبل التهاون والتخلف عن مواجهة هذا التحدي.
وعليه نقول ان الصهيونية في بلدنا تخطت مرحلة التطبيع والآن شرعت في صهينة المجتمع، وبدأت تتحكم في الاقتصاد والقرارات السياسية والثقافية والتعليمية وفي خطوات متقدمة لتحويل المغرب لفلسطين جديدة.
إن فظائع الكيان لم تبدأ مع "أكتوبر 2023". فهو ولد من الدم، وتغدى على الموت ، و"الطبيعة" الوحيدة التي يعرف بها طوال وجوده هو الإبادة المنهجية لشعب بأكمله، وهذا لا يختلف قيد أنملة عن النظام القائم المتواطئ والملطخ بالدماء منذ "إيكس ليبان" الى اليوم. 
وهذا تذكير لكل الذين يلوحون بأصابعهم لمن يناهضون صهينة المجتمع، ولكل اسيادهم، عملاء قوى النهب والقتل، بأن: 
الحقيقة واحدة ومكتوبة بدماء الأبرياء: الكيان الصهيوني يمثل آلة حرب إبادة جماعية وتهجير واحتلال منذ اللحظة الأولى لتأسيسه. طابعه "الاجرامي/الحربي" ليس وليد اللحظة، بل هو حمضه النووي.
إن اي تخلف عن مناهجة مخطط الصهينة اليوم، سيكون ضريبة لاجيالنا القادمة والصورة الحية لشعبنا الفلسطيني وما يعانيه من تقتيل وإبادة اليوم بهدف تشييد مشاريع ربحية على جماجم الاطفال.

تحية للطبقة العاملة وعموم الكادحين في هذا اليوم، ونضال حتى النصر: 
المجد والخلود لكل من يقاوم هذا المسخ.
المجد لنضالات الطبقة العاملة المغربية.
المجد لمعارك العمال من مكناس والدار البيضاء وطنجة الى باقي ربوع بلدنا.
المجد لمعارك المعتقلين السياسيين في زنازين النظام وجلادي الاستبداد.
المجد لشعبنا الفلسطيني الصامد، وللشعب الإيراني المقاوم، وللكوبي الشجاع، ولجميع شعوب العالم الرافضة للخضوع وقيد الاستعباد. 
النضال مستمر، وخط الثورة لا محيد عنه..




شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق