ارتبطت كلمة "غياب" لدى العديد من الأجيال بالمدرسة. المعلم يسجل الغياب، وسجل الغياب يُحمل إلى الإدارة. غياب له تفسير، وعذر يُقبل، وولي أمر يتصل به.
وكبرنا، فإذا بنا نعرف أن الكثير غيبهم الموت عنا، موت يخطف دون مقدمات، أو يتربص خلف أبواب لا تفتح.
وكنا نسمع حكايات بصوت غير مسموع للجدران، لأننا تعلمنا باكرا أن الجدران لها آذان. حكايات عن رجال ونساء، كانوا بالأمس القريب بيننا، من جنوب المغرب إلى شماله، يتنفسون الهواء نفسه، ويحلمون بأفق مغاير. ثم جاء يوم، فإذا بهم "مغيبون". كلمة غريبة، ليست في قاموس المدرسة. هناك من يعرف مكانهم، لكنه يرتجف إن نطق به. وهناك من صار مصيره مجهولا، كأن الأرض ابتلعتهم، وكأن الزمان محاهم من سجلات الأحياء.
كان الغياب يبدأ باعتقال تحت جنح الظلام، ويستمر في زنازين لا تصلها رسائل، وينتهي -في الأغلب- بصمت مطبق. لم تكن هناك أوراق يسجل عليها غياب المناضلين، ولا إدارة تبعث بإشعار لأهلهم. كان الغياب شهادة على حياة عاشوها، وشهادة على وطن لم يكتمل بعد. وقيل عنها، بشبه اجماع، إنها مرحلة طبعها "الجمر والرصاص"، لتطهير دهس وطحن وخنق اليوم.
هؤلاء المغيبون قسرا خلف الأسوار، هم الذين علمونا أن الغياب ليس مجرد فراغ في كرسي الفصل، بل هو جرح في ذاكرة الشعب، وصوت مبحوح في عنق التاريخ، ينتظر من يرفعه.
واليوم، تقف المناضلة سعيدة العلمي في قلب هذه المعركة المتجددة، تخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام داخل زنازين النظام، جسدها سلاحها، وإرادتها تتحدى إجراما لا يعرف الرحمة. إنها تواصل درب الشهداء والمعتقلين السياسيين، وتفضح بأمعائها الخاوية وحشية نظام يمارس القمع في الأمس واليوم، دون هوادة.
هكذا تعلمنا من شعبنا..
هكذا عرفنا..
ما لا يقتلك لا يجعلك أقوى..
بل نقاوم ونواصل درب الشهداء. يواصله المناضل والمناضلة.. في الشارع، في المعامل، في الضيعات، في المدن والبوادي، في السجون وخارج السجون. هكذا تكسر قيود المعتاد.
الشعوب تصنع أبطالها من جراحها، إنها الحقيقة المرة. لكن القوة الحقيقية تُولد حين تُحب جرحك دون أن تجعله مقدسا.
سعيدة العلمي اليوم، في صراعها ضد قوة الظلم والطغيان، لا تنسج واقعها من خيوط المسلمات، لا تمشي على جسور المألوف، بل تقطف خيوط الضوء من فجوات ظلام الزنزانة. وتصنع من جسدها المنهك سُلما لبعث النور.
هكذا المناضل لا يقترض القوة من الخارج، بل يوقظ في أحلك اللحظات توازن الكون. مثل غابة تنبعث من رماد ذاتها، فلا حاجة به إلى ثوران التحديات؛ يكفيه أن تمتد جذوره مدركة أن الموت ليس سوى ميلاد آخر. لكن قليلين من يزهروا وهم معلقون بين فراغات الدهاليز.
في معركة سعيدة العلمي اليوم، يتجدد العهد: الأمس كانت سعيدة، كان زوال، كان الدريدي، كان بلهواري، كان شباظة، كان المزياني.. كان الصمود وكان التحدي للجلاد، ونطقت الأسوار الإسمنتية لغة الثوار. إنه تاريخ يتواصل. إلى يومنا، يعجز الجلاد أن يروض أبناء شعبنا.
سعيدة العلمي قاومت بالأمس برودة الزنازين، قاومت الجلاد، واليوم تخوض مرة أخرى التحدي، وتجعل من جسدها سلاحا لمقاومة أنياب الجلاد، وصحيفة توقظ ضمير مجتمع أريد له أن يعيش تحت الخوف والإرهاب واللامبالاة. إنها تخوض إضرابا مفتوحا لتقول للعالم: هذا النظام لا يزال يمارس إجرامه، بالأمس واليوم، ولن يتوقف إلا بمقاومتنا.
إنها المعارك التي تعيد السؤال: أين لجان المعتقلين، في الشارع، وفي الجامعات؟ أين نحن من تجارب عائلات المعتقلين اليوم؟ أين نحن من تراكمنا النضالي؟
شعبنا فقط وبالاساس الطبقة العاملة، عندما تكون منظمة وموحدة تمتلك القوة. التنظيم هو قوة الشعب وسلاحه ضد همجية وبطش واجرام النظام. شعب منظم وموحد هو كل شيء، والتنظيم هو المدخل لقلب موازين القوة وتحويل شعارات التضامن مع كل القضايا العادلة، وشعارات الحقوق والمكتسبات الى حقيقة على الأرض.
إن طبع النظام يتغذى على الظلم والإرهاب والاحتقار لكل ما هو "غير منبطح"، وكل متمرد ومتمردة، وكل ما يهدد السيطرة الطبقية وهبة العملاء ووكلاء القوى الاستعمارية. النظام لا يغفر للمتمردة المتحدية والمتمرد المتحدي.
سعيدة العلمي لم ترفض بعناد الاستسلام لبطش النظام فحسب، بل رفعت أيضا رأسها عاليا بجسم منهك خلف القضبان، في وجه الجلاد، ورفعت معها جسدها سلاحا مكشوفا في إضرابها عن الطعام. إنها شرف شعبنا، ونحن معها، نقف إلى جانبها، وندعم نضالها حتى كسر قيودها وكشف إجرام هذا النظام المتواصل.
كل التضامن مع المناضلة سعيدة العلمي في معركة الإضراب عن الطعام.
كل الدعم لنضالات المعتقلين السياسيين..
كل الدعم لفضح جرائم النظام في الأمس واليوم.
لن تموت القضية..
لن يركع المناضلون والمناضلات.
