2026/05/31

م.م.ن.ص// التحالف السياسي بين ضرورة التكتيك و إذابة الهدف الاستراتيجي -جدلية الغاية والوسيلة -

في قلب النظرية الماركسية اللينينية، يفهم العمل السياسي على أنه صراع من أجل السلطة.

 فالتنظيم السياسي مهما كان، سواء حزبا او تيارا او مجموعة منظمة صغيرة، بحسب جوهره المادي، ليس ناديا ثقافيا أو منتدى للتبادل الفكري، بل هو أداة مصممة للوصول الى السلطة، أي للاستيلاء على جهاز الدولة، وبالنسبة للثوري يكون الهدف هو لتفكيكه في نهاية المطاف، لبناء مجتمع جديد. فالتنظيم السياسي الذي يفتقد لمشروع مجتمعي يناضل من اجل تحقيقه لا يعد تنظيما سياسيا، بل هو مجرد أداة من الادوات السياسية في النظام السائد.  إنه الحد الفاصل بين العلمية الثورية و البراغماتية البورجوازية التي تتعامل بمنطق الصفقة لتوزيع الحصص أو الحفاظ على الوجود البيولوجي للتنظيم. ومن هنا، فإن أي نقاش حول "التحالفات السياسية" لا يمكن أن يبدأ بسؤال "مع من نتحالف؟"، بل بالسؤال الجوهري: "لأي غاية نتحالف؟". 

كما جاء في احدى نصوص لينين: "إن 'الصراع من أجل السلطة هو جوهر العمل السياسي"... فحين يتخلى أي حزب سياسي عن استراتيجية السيطرة على سلطة الدولة ضمنيا يصير صفرا في السياسة. هذا التحديد هو بمثابة البوصلة التي تحدد معنى أي تحالف؛ فبدون الهدف الاستراتيجي المتمثل في الإطاحة بالنظام الرأسمالي بشكل عام والنظام التبعي في بلدنا المغرب وإقامة دكتاتورية العمال والفلاحين، وفي الانظمة الرأسمالية اقامة ديكتاتورية البروليتاريا، تتحول التحالفات من أدوات نضال إلى غايات في حد ذاتها، وهنا يكمن الخطر الانتهازي.

أولا: البوصلة لا تباع بالمزاد (أولوية الاستراتيجي على التكتيكي)

وانطلاقا من موقع الطبقة العاملة في الصراع يمكننا تشبيه الاداة السياسية الثورية، أي الحزب العمالي الحقيقي، بالملاح الذي لا يلقي ببوصلة الثورة جانبا. 
إن التحالفات والتكتيكات هي مجرد "أشرعة" تضبط وفق اتجاه الريح، أما الهدف الاستراتيجي (تدمير النظام التبعي وبناء النظام الوطني الديموقراطي الشعبي ذو الافق الاشتراكي) فهو "البوصلة" نفسها. ومن يبيع البوصلة ويحتفظ بالأشرعة لم يعد بحارا، بل تاجر خردة.

هذا التشبيه الهدف منه تبسيط الجدل الدائم بين "المرونة التكتيكية" و"الثبات المبدئي" وانزاله الى مستوى وعي الجماهير الكادحة المعنية بمشروع التغيير. فالموقف الماركسي الأصيل يقر بأهمية التكتيكات المتنوعة والتحالفات المرنة، لكنه يشترط أن تظل هذه التحالفات "خادمة" وليست "بديلة" عن الهدف. وعندما ينعكس الأمر، فيصبح التحالف غاية يسعى إليها التنظيم السياسي من أجل بقائه أو لمجرد مكاسب شكلية، فإن التنظيم السياسي "ينقلب إلى نقيضه" ويتحول إلى ناقل للسياسة البرجوازية بدلا من أن يكون حفارا في أساساتها.

ثانيا: الرافعة التي نستأجرها... والبيت الذي لا نسكنه (طبيعة التحالفات المؤقتة)

 التحالفات (عدا الحلف الأساسي بين العمال والفلاحين) هي واحدة من الادوات التكتيكية"، مثلها مثل "رافعة" قد  نستأجرها لرفع صخرة تسد الطريق؛ نتعاون مع صاحب الرافعة لهدف محدد، ثم نكمل الطريق بأدواتنا الأساسية.

هذا التصور يتجلى في الأمثلة الواقعية:

· في النقابة: ننسق مع اطراف أخرى لخوض معارك نقابية بهدف تحقيق مكاسب، لكننا لا نطلب من تلك الاطراف أن تقود النقابة ولا نتبنى برنامجها كلياً.
· في الحي الشعبي قد نتعاون مع جمعيات البيئة مثلا لمنع الهدم، مع علمنا أن هذا الحلف لا يصنع الثورة بل يبطئ قرار الهدم.

وبالتالي، فإن القاعدة الذهبية في التحالفات المؤقتة تُختصر بأسئلة عملية:

1. هل يخدم هذا الحلف خطوتنا التالية نحو الهدف الاستراتيجي (تقوية الطبقة العاملة، رفع وعيها، إضعاف النظام)؟
2. هل يتعارض مع أدواتنا الأساسية (مثل تنظيم المعارك النضالية ضد العدو)؟
3. هل يمكننا فك هذا الحلف بتكلفة معقولة عندما لا يعود مفيداً؟

وبعبارة حاسمة: "التحالفات المؤقتة هي جسور نعبرها، لا بيوت نسكنها".

ثالثا: تطبيقا على الحالة المغربية (قراءة في مقال "التحالفات السياسية بالمغرب حدود الممكن".. "تيار البديل الجذري")

عند تطبيق هذه الأسس على الواقع السياسي المغربي، كما ورد في مقال "تيار البديل الجذري" تحت عنوان " التحالفات السياسية بالمغرب حدود الممكن"، نجد تحليلا طبقيا صارما يعيد تعريف الأصدقاء والأعداء بناء على موقعهم من الصراع مع النظام القائم.

· الأعداء (قوى لا تحالف معها): القوى الظلامية والشوفينية (الرجعية الفاشية)، والأحزاب الرجعية (كالاستقلال، الأصالة والمعاصرة، الأحرار...)، وأحزاب "يسارية" سابقة تحولت إلى "مدافعة عن النظام" كالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. هذه القوى، وفق التحليل، خدمت الإمبريالية والصهيونية وغطت جرائم النظام، ولا يمكن معها إلا الصدام المكشوف.
· أحزاب إصلاحية (تنسيق مؤقت، لا تحالف استراتيجي): أحزاب مثل "الطليعة" و"النهج" و"المؤتمر الوطني" و"الاشتراكي الموحد" كما جاء في المقال، (فيدرالية اليسيار، النهج، اليسار الاشتراكي الموحد). يرى التيار أن هذه الأحزاب "ملكية" وبرجوازية صغيرة بطبيعتها، لا ثورية. 
وكل هذه الأحزاب أقصى ما تطرحه كاستراتيجية معلنة بوضوح في نضالها هو مواجهة "النظام المخزني".

إنها تستخدم هذا المفهوم، مفهوم "النظام المخزني" ، كأداة تحليلية مركزية لنقد بنية السلطة، وهو مصطلح يحيل إلى "المخزن" كمؤسسة تاريخية (مستودع الأموال والسلطة القبلية)، لكن توظيفه الحالي يجعله مفهوما طيفيا غير قابل للتعريف الدقيق. وهذا الاختزال المفاهيمي ليس مجرد فقر نظري، بل هو آلية انتهازية لحجب البنية الطبقية المادية للنظام التبعي؛ هذا الغموض يسمح بإسقاط كل أشكال الفساد والقمع عليه، مما يحوله إلى شيطان أسطوري بدلا من أداة تحليلية علمية، وموقف طبقي واضح وملموس. 
وبهذا الااستخدام تتهم "النظام المخزني" بكل شيء، بينما تعفى الطبقات السياسية والاقتصادية والبيروقراطية الفاعلة فعليا من المسؤولية حول الجرائم الطبقية والعمالة للامبريالية والصهيونية والاوضاع المزرية التي يعيشها شعبنا.  إن هذه التسمية السحرية تعفي البرجوازية الكومبرادورية والملاكين العقاريين الكبار من مسؤولية الجرائم الطبقية، وتخلق ثنائية شعبوية زائفة (المخزن ضد الشعب) وجد فيها اليسار الإصلاحي —كحزب النهج— سنداً مرجعياً لتبرير معانقته للقوى الظلامية الفاشية (العدل والإحسان) تحت يافطة "المواجهة المشتركة". وهكذا نحصل على خطاب "معارض" فضفاض يقدم تفسيراً سحرياً للهيمنة، بدلا من نقد البنية الطبقية للنظام  برصد آليات الإنتاج والتراكم.
إن مفهوم "المخزن" يختزل تاريخ المغرب الطويل (من المرابطين إلى العلويين) في "نظام واحد"، ويتجاهل تحولات الدولة عبر العصور، كما يغفل أن ظاهرة "المخزن" ليست خاصة بتاريخ المغرب، بل هي تعبير محلي عن ظاهرة تاريخية عالمية: نزعة البلاط لتجميع السلطة والمال واستخدام المؤسسة الدينية والقبلية.
بهذا تكرس، أحزاب "اليسار" المغربي، وتعيد إنتاج ثنائية زائفة حول الصراع الدائر: "النظام المخزني" كبنية غير محددة طبقيا، بل كمفهوم فضفاض وشعبوي يخفي اكثر مما يكشف، مقابل "الشعب". وهي الثنائية نفسها التي  وجد فيها حزب "النهج" السند المرجعي لتبرير معانقته لجماعة العدل والاحسان الظلامية. 
هذا المأزق يفسر كيف اختارت احزاب "اليسار" المغربي طريق يحجب ملكيتها ودورها في إعادة انتاج بنية النظام، ويحافظ على تمظهرها اليساري، وعلى الشعبوية العقيمة،  بدلا من بناء استراتيجية واضحة اصلاحية كانت أو ثورية.  
لذا، يقتصر التعامل مع هذه القوى في حدود "التنسيق الميداني" في الاحتجاجات والعمل النقابي والحقوقي، لكن يُرفض "التحالف السياسي" لأنها غير منخرطة فعليا في خدمة معارك الطبقة العاملة، وما تعرفه معارك العمال عبر ربوع الوطن سوى دليل ملموس، فمثلا هي نفسها القوى الحاضرة في القيادات النقابية البيروقراطية والتي انكشفت أدوارها الخيانية للمعارك في أكثر من معركة ولعل التذكير بمعركة رجال ونساء التعليم لاسقاط "قانون الوظيفة العمومية" لازال يلقي بآثاره الكارثية لحدود الان على القطاع، ومصيرها إما الانهيار أو الالتحاق بالرجعية.

· حلفاء محتملون (على قاعدة خدمة مصالح الطبقة العاملة): التيارات والمجموعات الماركسية اللينينية الأخرى التي تشترك في الهدف الاستراتيجي. هنا يكون "مجال التحالف مفتوحا وممكنا"، شريطة الاحتكام إلى المشروعية النضالية، والمحاسبة، والنقد الذاتي، ووضع مصالح الطبقة العاملة فوق أي اعتبار شخصي أو زعاماتي.

إن أزمة اليسار في المغرب، كما في كثير من البلدان، ليست أزمة برامج أو شعارات، بل "أزمة الذات"، أي أزمة الحزب الثوري القادر على قيادة الطبقة العاملة.

إن التحالفات ليست لعبة دبلوماسية بين النخب. إنها فن التمييز الطبقي، فالثوري همه هو التعاون مع من يخدم الخطوة التالية في تفكيك النظام، وكشف من يعيق هذه الخطوة، وهو يحافظ على بوصلة الهدف مهما كثرت المتغيرات.

فإما أن يكون الحزب هو "الملاح" الذي يبقي البوصلة في يده، ثابتا على الهدف، مرنا في الأدوات، واضحا في أعدائه، حازما في تحالفاته؛ وإما أن يكون "غريقا" يبحث عن أي لوح خشب يتشبث به، فينتهي به الأمر إلى مصير تلك المجموعات التي بدأت من "ثورية" وانتهت عتاة حراسا للنظام. فالثورة ليست شعارا، والتحالفات ليست بيوتا، والمهم هو بناء السفينة... وتوجيه البوصلة نحو القبلة الحقيقية: تحرير العمل من رأس المال..

عودة مرة اخرى الى مفهومي "النظام" و "النظام المخزني"

 النظام، الذي يبدو أكثر فأكثر كمفهوم مجرد، ليس شيئًا ثابتا أو غامضا يمكن تفسيره بشكل عشوائي، بل هو نتاج ملموس لتفاعلات القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالنظام لا يولد من فراغ، ولا يحافظ على نفسه بالإرادة وحدها؛ إنه يتشكل في رحم الصراعات اليومية حول الثروة والسلطة والشرعية.

غير أن هذا اليقين المنهجي (أن النظام بناء قابل للتفكيك) يصطدم بسوء استخدام سياسي للمفاهيم. فحين تستحضر أحزاب "اليسار" المغربي مصطلح "النظام المخزني" ، فإنها تحوله إلى علامة جامعة لكل مساوئ السلطة بعيدا عن العلاقات الطبقية والبناء الاقتصادي والقوانين الطبيعية التي تحكم حركة تطوره. لذا، فهذه العلامة، بدلا من أن تكون مشْرطا تشريحيا دقيقا، تتحول إلى قناع شعبوي يخفي من الداخل ما يدّعي كشفه من الخارج.

فـ"النظام المخزني" ، بهذا التداول ، هو موقف قبل أن يكون تحليلا، وشعارا قبل أن يكون نظرية. إنه اسم لعدو أسطوري، لا تشريح لهيكل هيمنة. وهنا يكمن الانحراف الحقيقي: استخدام فكرة النظام لتغطية فشل النقد، وإسقاط كل التناقضات على كيان غامض، يتَهم دون أن يعرف، ويحارب دون أن يفهم.
وهذا ، لا يعني إنكار أن هناك بنية سلطة تقليدية في المغرب، تجمع بين:
• احتكار السلطة المطلقة والاستبدادية العليا للقرار الاستراتيجي.
• شبكة من الولاءات غير الرسمية..
• استعمال الريع كآلية لشراء الولاءات وللحفاظ على الاستقرار السياسي.

لكن مشكلة اليسار أنه ردّ هذه البنية إلى إسم واحد، وجمدها في أسطورة، و أعفى نفسه من مسؤولية بناء نظرية و سياسة خارج منطق الشعبوية  والتنديد الأخلاقي. والنتيجة: خطاب لا يفسر التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها المغرب بعد التغلغل الاستعماري الى الآن (كيف تغير "المخزن" من مرحلة الاستعمار المباشر  إلى اليوم في ظل التبعية  والخضوع المطلق لقوى الاستعمار العالمي وللمخططات الصهيونية المتقدمة في بلادنا؟)، ولا يقدم بديلا (ماذا بعد "النظام المخزني"؟)، ولا يستطيع فهم تفاعلات المجتمع مع هذه البنية (لماذا تنتج مقاومات داخل النظام نفسه؟).
فمحاولات تعريف النظام لدى من ينطلقون من مرجعية احزاب اليسار المغربي، غالبا ما تكون مشوشة، خاصة عندما يتم اختزاله إلى مجرد حكومة معينة أو مؤسسات فاسدة وعلاقات الأجهزة وعلاقات النفوذ أو التحكم في سلطة الإعلام ومؤسساته الكبرى.. في الواقع، هذه العناصر ليست سوى أجزاء صغيرة من صورة أكبر تُخفي جوهر النظام الحقيقي.
النظام ليس اسما يصرخ به، بل جسما يشَرَّح. وأي نقد لا يعيد تعريف مفاهيمه باستمرار هو نقد يتحول إلى جزء مما ينقده. 

إن جوهر النظام يقوم على استغلال عمل الأغلبية لصالح أقلية، وعلى الهيمنة الطبقية والملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج. هذا النظام، الذي يخدم مصالح الاقلية المسيطرة على وسائل الإنتاج  يعتمد على ادوات لضمان السيطرة والخضوع ولردع القوى المناهضة، هنا تدخل أدوات  مثل الدولة، الحكومات، المؤسسات "الوطنية"، مدعومة بالمنظمات الرأسمالية المالية والعسكرية (مثل البنوك العالمية والامبريالية الأمريكية و الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني والانظمة الرجعية)، والمؤسسات الاعلامية الرجعية العالمية، بالإضافة إلى الأحزاب المنبطحة والجمعيات الممولة  والشركات الكبرى. هذه المؤسسات تعمل معًا لإدامة النظام وإخفاء آلياته الحقيقية، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة وإخفاء جوهر الاستغلال والهيمنة.

 




شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق