من مكناس سيكوم، ومن طنجة نماطيكس، إلى سوس ماسة، ومن الشرق إلى الغرب من بلدنا المنهوب...
هنا، في وطن ينتزع يوميا رغيف "الخبز الحافي" من أفواه الأطفال، حيث العمال المشردون يملؤون الشوارع، معتصمون، يقفون بوجوههم العارية أمام جدار الصمت والبطش، وحيث "المنزوع رغيف خبزه" ليس استعارة، بل هو أب وأم وطفل يطرد من العمل، يقتلع من سكنه الكرائي او المملوك، أو أرضه التي ورثها عن جده..
هذا هو واقع الطبقة العاملة المغربية، واقع الفقراء من فلاحين، اطفال وشباب، واقع شعب يئن تحت وطأة الغلاء، والظلم الاجتماعي، والهجوم الطبقي، والتهميش المخطط له. الذي إذا احتج قُوبل بالعصا والوعيد، وإذا صمت يموت ابناؤه جوعا وهم يبتسمون.
هؤلاء وأولئك، في غزة وباقي بقاع هذا الكوكب، يجمعهم نفس المصير: كأسهم من النار والرماد...
في وقت يركز العالم على "كأس العالم"، يحتفل بالأهداف، ويشاهد المباريات ويناقش النتائج، يتشكل "كأس" آخر في بقاع شاسعة عنوانها التشرد والبؤس والفقر المدقع والنيران والحطام.
كما حدث هناك في غزة بعد القصف الصهيوني لدير البلح والابصار على الشاشات تستهلك مخدر المستديرة، حين التهمت النيران مبنى ليخلق صورة "كأس غزة" المرعبة – كأس من الألم والدماء والدمار.
وفي شوارع مكناس وطنجة، حيث نساء يلتحفن السماء ويفترشن الأرصفة وأبناؤهن محرومون من كسرة خبز حافية، وفواجع يومية تشكل افتتاحية أخبار البؤساء على متن حافلات مهترئة من مزارع سوس ماسة إلى أعالي مغرب منسي ومهمش... وقس على ذلك في كل بقع الفقر والنهب الطبقي.
هذا هو بالضبط ما يفعله "كأس العالم": أداة بصرية كبرى لتحويل الأنظار عن الجرائم والمذابح اليومية.
بينما تتدفق ملايير الدولارات على الملاعب وشاشات العرض، يباد الفلسطيني هناك ويقتل بصمت المهمش والعامل المُشرد هنا، واخوانهم الفقراء في بقع اليابسة الاخرى من هذا الكوكب. إنهم الملايين من البشرية التي تنتج ثروة هذا الكوكب. والاحتفالات الكروية تغطي على صفارات الإنذار، وصور الأهداف تطمس صور الأطفال تحت الأنقاض، والنشوة الرياضية تخدر الشعوب عن استيقاظها على جرائم التطهير الطبقي والوطني.
لتكن تلك الصورة تذكيرًا صارخًا بالتناقض المؤلم في عصرنا: "الإنسانية" المعلبة يحركها البصر، لتنسى الانسان في اخيه الإنسان في اكثر من مناسبة مخدومة. الملايين يراقبون الصراعات، بينما ملايين آخرون تحت القنابل والحصار والجوع والتشريد.. يكافحون فقط من أجل البقاء.
الغزيون لا يطالبون بالامتيازات. إنهم يطلبون ما هو واضح: الحق في الحياة على تراب أجدادهم، والخلاص من الاحتلال، والسلام والكرامة الإنسانية.
كما عاملات وعمال سيكوم، وعاملات وعمال ناماطيكس، وغيرهم من المشردين في كل أرض.
دعونا لا نسمح لضجيج الملاعب أن يغطي صرخات الأطفال والجوعى.
دعونا لا نعتاد على صورة الموت والتفقير والتجويع.
دعونا لا نجعل المأساة الإنسانية "خلفية" أخرى على شاشاتنا.
صوتنا ينضاف لصوت الشعب المكسيكي..
فكما قال تشي، رمز كل الشعوب: "إذا كنت ترتجف من الغضب الساخط على كل ظلم، فأنت رفيقي".
حياة الشعوب تساوي أكثر من أي كأس.
