2026/01/31

صوفيا ملك// الإبادة الصامتة



الإبادة الصامتة ليست دائما بالسلاح والحروب؛ إنها وجه آخر للإبادة الجماعية، وجه الرأسمالية القاتلة الموجه ضد العمال وشعوب العالم. 


ليست الإبادة دائما بالطائرات بدون طيار والصواريخ الذكية والقنابل الكيماوية والهيدروجينية وضوضاء الحروب الفتاكة. ففي عصر الهيمنة الرأسمالية المتوحشة، تتخذ الإبادة الجماعية شكلا أخبث وأكثر مكرا، حيث تنسج خيوطها من صمت المكاتب الفاخرة ومراكز القرار المالي. تَتسلل من المخططات، ومن السياسات الطبقية المملاة من القوى الاستعمارية، وتتحول إلى آلة مدمرة للشعول والأسرة ولمنتجي الثروة. تفعل فعلها بمنهجية عبر التشريد والتفقير والتجويع والاستغلال والأمراض، محاصرة الأجساد المنهكة والجائعة والمحرومة من أبسط حقوق الحياة، ليس كضرر جانبي، بل كنتاج مباشر ومقصود لنموذج اقتصادي يقدس الربح فوق كل شيء. تقف خلفها عقول باردة تضع البشر في خانة "التكلفة المتغيرة". 

حين تشرد، سيقل غداؤك حتما، ويصير جسدك عرضة لهجمات أمراض الفقر، محاصرا بلغة حرب أخرى لا تحتاج إلى انفجارات ولا إلى مدافع ولا إلى قنابل مدمرة وطائرات مسيرة، كما هي حروب الإبادة في عصرنا. 
فحين يصير العلاج والغذاء مجرد أحلام وأمنيات وضربا من الحظ، فاعلم أنك في فصل من فصول الإبادة غير المعلن. إنها جريمة ليس بصوت أزيز قوى القمع ولا بأصوات الرصاص، بل بمخططات وقرارات وإجراءات تحمي الربح والنهب والفساد، وتجعلهم "يتغذون" من حيوات البشر. 

وما ساكنة الحوز بعد الزلزال، وعمال "سيكوم"، -وما تحمل الايام القادمة بعد كوارث الفيضانات سيكون افضع-.. إلا نموذج صارخ على ذلك، بعد أن تحولت صناديق الدعم وصندوق الكوارث إلى غنيمة، وقوانين تسمح بإلقاء العمال إلى الشوارع وتكريس البطالة وتحطيم ذلك البصيص مما يمكن تسميته "حماية اجتماعية". 

إنها حرب طبقية تشنها أقلية طفيلية ضد أغلبية البشرية. والربح فيها لا "يتغذى" فقط من كدح البشر، بل ينمو ويسمن من دمائهم وعظامهم وأملهم وقوت أبنائهم. إن الاعتراف بهذه الحرب، وتسمية آلياتها، هو الخطوة الأولى نحو مواجهة هذا النظام الإبادي وبناء عالم تحمى فيه الحياة البشرية من جشع رأس المال. 






شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق