تكلفة الخضوع والتطبيع يدفعها شعبنا
تكاد حقبة نهاية القرن الماضي ومطلع الألفية أن تطبع أمريكا بالحروب، والحروب بأمريكا. فما من نزاع إلا وتغوص فيه مخالبها، وما من جبهة تشتعل إلا وتجدها طرفا يشعلها أو يغذي لهيبها. إنها تاجر السلاح الأكبر، وآكل الثروات المغموسة بالدماء، حيث تختلط تجارة الموت بأرباح النهب.
لكن الحرب لا تتوقف عند حدود سقوط القنابل والصواريخ، ولا حيث تحلق الطائرات الشبحية والمسيرة. الحرب لا تنتهي بمقتل الناس وتخريب البيوت والبنية التحتية. الحرب الامبريالية تعبر الحدود، وتتمدد عبر تبعاتها الاقتصادية الخانقة، لتجعل الشعوب تتحمل تكلفتها بصمت.
واليوم، مع تصاعد حروب إعادة تقسيم الكوكب، وانخراط النظام القائم في بلادنا إلى جانب الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني في الحرب على الشعبين الايراني واللبناني، بدأ شعبنا يحس بتبعاتها الاقتصادية على جلده. توازن القوى الدولي الذي لا يمكن أن يتجمد أبدا، سيظل يجلب الحروب والتدمير، تدمير قوى الإنتاج وما تنتجه. إنه مأزق النظام الرأسمالي، المظهر الأوضح لتعفنه، ولحدوده التي تجاوزها التاريخ.
وعليه، نحن نعيش على وقع صاروخين: صاروخ يقتل ويدمر هناك، وصاروخ الأسعار الذي ينفجر هنا وهناك، مرغما الشعوب على دفع الفاتورة لتجار القتل. إنه قانون رأس المال في مرحلته الإمبريالية: كلما اتسعت رقعة الحرب وازداد لهيبها، زادت الضربات الموجعة في حياتنا اليومية.
اليوم كابوس نهب جيوب الشعب يخيم على الاقتصاد.
عمال، فلاحون، فقراء، طلاب، متقاعدون، حرفيون، تجار صغار، وأسر شعبية — كلهم يدفعون الثمن فعلًا: في محطات الوقود، في الأسواق، في محلات التموين، وفي الضرائب. الحرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات، لكن الفاتورة تصل طازجة إلى بيوت الفقراء والمستغلين. صحيح أن التكلفة تتفاوت حدتها من شعب إلى آخر، لكنها هنا، في ظل نظام تابع، خاضع، منخرط في مخططات الإمبريالية والصهيونية، تصل إلى ذروتها.
هنا شعبنا يدفع تكلفة باهظة من أجل تحقيق الهيمنة الطاقوية للإمبريالية الأمريكية. زيادات متتالية للأسعار على جميع المستويات، كلما ازداد تعمق النظام في الخضوع والانخراط في الجريمة. جيوب الشعب تنزف يوميا من أجل مصالح تجار الحرب والقتلة وعصابة إبستاين، لكي تبرز طبقة الكمبرادور والملاكين الكبار، هؤلاء المصاصون الذين يضمنون رضا مجرمي الحرب وقتلة الأطفال، ويشرعون البلاد أمام مطامع قوى النهب العالمي.
منذ أن عرفت البشرية الحرب، وهي تحمل الوجه نفسه: دماء الشعوب تُراق لتُروى بها أراضي غيرهم، وأجساد أبنائها تُبقر لتملأ بها خزائن اللصوص. إنها السرقة التي ترتدي زي الجيوش، والاغتصاب الذي يتخفى في صلبان ومعارك. الإمبريالية لم تخلق حروبها إلا لتعيد توزيع الغنائم بين الذئاب، أما الخراب فهو نصيب البشر.
صحيح أن المغرب ليس في قلب هذه الحروب، لكنه ليس بمنأى عنها. فرغم أن أرضنا لم تشتعل، إلا أن تبعية النظام القائم وخضوعه أغرقانا حتى الذقن في مستنقع هذه الصراعات. والمحصلة واحدة: شعبنا يدفع من دمه وخيراته، والجيوب الكبرى تمتلئ بالدولار.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الإمبريالية ليست مجرد معارك عسكرية، بل هي آلات اقتصادية وحشية تعيد توزيع الثروة بين الإمبرياليين. وبما أن النظام القائم في المغرب جزء من أنظمة الخضوع والتطبيع، فإن الشعب المغربي يدفع الفاتورة مرتين: مرة بارتفاع الأسعار، ومرة بسياسة تخدم مصالح الكبار على حسابه.
ما يظهره النظام نعمةً للشعب، لتجميل التطبيع والخضوع، ينتهي إذلالا وتفقيرا، وتعميقا للاستغلال والتبعية، وفقدانا للكرامة والسيادة على ثرواتنا وقراراتنا.
والباطرونا، سعيا وراء الحفاظ على أرباحها في ظل تأثير الحرب على الأسواق، تصرف الأزمة على حساب سوق الشغل. ووتيرة التسريح بدأت بالتصاعد التدريجي في المدن الكبرى. هذه الظاهرة ليست جديدة على الرأسمالية، بل هي ملازمة له، لكنها في فترة النزاعات الحربية تكتسب أبعادا متفجرة، تظهر شراكة الباطرونا والحرب في الدم.
ففي خضم التصعيد المتوحش للحرب، حيث تكتسب الصراعات أبعادًا وجودية، يصبح نضال الشعب أكثر من مجرد خيار — إنه ضرورة وجودية. دفاعه عن وطنه، عن حياة أبنائه وعائلاتهم، عن سقف يأويه، عن لقمة عيشه، هو في جوهره إعلان حرب على نظام الجوع والعبودية. إنه نضال من أجل اقتلاع جذور سلطة الكمبرادور وأسياد المال، هؤلاء الذين لا يعرفون وطنًا سوى أرباحهم المشبعة بدماء الشعوب، ولا يملكون مستقبلًا غير تكريس استغلالهم.
القلق والخوف مما تجلبه الحرب، ومما يسببه توريط النظام العميل لبلادنا فيها، الذي يشعر به من يدفعون اليوم الفاتورة من دمهم وقوت أبنائهم — هذا القلق لا يجب أن يتحول إلى موقف يصرف في متابعة المشاهد المرعبة التي تقدمها القنوات الموجهة، ولا في انتظار قوى خنوعة لتتململ. فكل تخلف عن الوقوف في وجه تجار الحروب ثمنه فادح: أرواح ومستقبل أبنائنا وأجيالنا القادمة.
إنها معركة وجود: إما أن ننتفض، أو ندفع الثمن إلى الأبد.
القلق ثمنه نضال، لا انتظار..
