بعد انتهاء الوقفة التضامنية التي عاينوا خلالها معاناة العمال اليومية، ورفعوا شعارات منددة بالوضع المأساوي الذي تعيشه الطبقة العاملة، وبتحالف الباطرونا والبيروقراطية النقابية المفضوح في ضرب الحقوق العادلة والمشروعة، انتقل الرفاق والرفيقات برفقة العاملات والعمال إلى ندوة نظمها مناضلو "اطاك" طنجة بمقر (ك د ش)، حيث نظم نقاش حول معارك العمال، خاصة معركتي "نماطيكس" و"سيكوم"، وآليات الدعم والتنسيق لتوحيد نضالات العمال من أجل نزع حقوقهم المسلوبة.
وقد شكل نقاش الندوة لرفاقنا من داخل البديل الجذري المغربي، مناسبة، ومدخلا، لاستكشاف سؤال مركزي ومؤرق: كيف وصلت الحركة النقابية والعمالية في المغرب إلى هذا المستوى من التردي والانكسار بحيث تحولت الطبقة العاملة من تلك القوة الرئيسية في المجتمع المراهن عليها لقلب معادلة الصراع الى قاعدة نبحث لها عن قوة تسندها من خارجها، اي بتحويلها من مبتدأ الى خبر؟ إنه سؤال مزدوج، يبحث:
1. في انهيار المؤسسة النقابية من الداخل، وفي تحولها إلى نقيض لرسالتها التاريخية كرافعة للتغيير، ليصبح همها الأوحد هو تدبير خط التدمير والتخريب للعمل النقابي ولنضالات الطبقة العاملة، لا قيادة التحرر.
2. غياب الاداة السياسية الطبقية المناضلة والمنسجمة مع طموحات الطبقة العاملة، القادر على إعادة بناء الوعي الثوري في أوساطها، وتوحيد نضالاتها المتناثرة في جبهة صلبة تواجه التحالف الطبقي المسيطر.
هذا الواقع لم يأت من فراغ، بل هو نتاج سيرورة مركبة من الردة والتخلف، يمكن اختصارها بكل دقة في ارتماء القيادات النقابية في أحضان النظام، حيث تحولت النقابات المركزية إلى ملحقات إدارية تشارك في "تدبير" الأزمات الاجتماعية بدل أن تكون في طليعة التصدي لها. هذه القيادات، التي فقدت شرعيتها النضالية، لم تعد تمثل المصالح الحقيقية للطبقة العاملة، بل تحولت إلى نخب بيروقراطية تعيش على فتات الشرعية التي تمنحها لها الإدارة عبر الترويض والتجنيد.
فاليوم، نشهد مشهدا مأساويا: تخريبا متعمدا للعمل النقابي من داخل مؤسساته، حيث يستخدم الجهاز النقابي أداة لتشتيت القاعدة العمالية، ولجم نضالاتها، وتفكيك وحدتها، وتحويل نضالاتها إلى مجرد مسارات بيروقراطية تائهة بين مكاتب الوزارات ومقرات الاتحادات. إنه مشهد تدمير ممنهج للوعي الطبقي تحت غطاء "الدفاع عن الحقوق"، بينما تفرغ القضايا المركزية للعمال من محتواها النضالي، ويتم اختزالها في مناشير شكلية ومفاوضات مسرحية هزيلة تدار بمنطق المساومة المخادعة، حيث تُقدم للنظام والباطرونا تنازلات كبرى تحت غطاء "تحقيق مكاسب"، وللقواعد العمالية تُزف "انتصارات" وهمية، بينما تكون قد تخلت فعليا عن المطالب الجوهرية، ويتم امتصاص الاحتقان العمالي عمدا، ومنع تصعيد النضال في لحظات الذروة التي يكون من الممكن فيها تحقيق إنجازات كبرى.
ولا تقف الأمور عند هذا الحد، فثمة ارتماء كامل للقوى السياسية التي كانت يوما محسوبة على الحركة الوطنية، والتي تعد المركزيات النقابية اليوم أدرعها النقابية، في أحضان النظام. تلك القوى، التي ناضلت تحت شعارات العدالة الاجتماعية والتحرر، أصبحت اليوم جزءا من آلة القمع الناعم، تساهم في ترسيخ "الاستقرار" السياسي/"السلم" الاجتماعي على حساب النضال، وتشرعن سياسات النهب والتجويع باسم "المشاريع الكبرى" و"الاوراش الملكية" و"التوجيهات الملكية".
كل ذلك يتكامل مع ترسانة قمعية قانونية صارمة، جرم بموجبها العمل النضالي والنقابي، وأصبح العمال يواجهون سيف الفصل التعسفي والملاحقات القمعية والزجر الإداري، لمجرد المطالبة بحقوقهم المشروعة. قوانين الشغب والتجمع غير المرخص، و"قانون الإضراب" و"الفصل 288"، كلها أصبحت أدوات يومية في يد النظام لتأديب أي صوت نضالي يحاول الخروج عن قواعد اللعبة.
في مقابل هذا التراجع الكبير، يظل الغياب الأكبر متمثلا في انعدام وجود قوة سياسية منسجمة مع طموحات الطبقة العاملة ومشروعها التاريخي. قوة لا تتبنى النضال الطبقي كشعارات خطابية، بل كبرنامج حياة وسلاح يومي في معركة استعادة الهوية العمالية المسلوبة وقيادتها لتحقيق مشروعها الطبقي.
فلا يمكن لأي قفزة حقيقية للطبقة العاملة أن تنبثق في غياب مشروع سياسي واضح، يتحمل مسؤولية إعادة بناء الوعي الثوري داخل الأوساط العمالية، ويكسر عزلة النضالات المتناثرة، ويوحدها في جبهة صلبة تواجه التحالف الطبقي المسيطر.
إن ما تواجهه الطبقة العاملة اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو أزمة بنيوية عميقة، تعكس حجم التفكك الذي أصاب أدواتها التنظيمية والتاريخية. فالحركة النقابية التي كانت تمثل العمود الفقري لأي مشروع تغيير اجتماعي، أصبحت اليوم جزءاً من معادلة إدارة الأزمات، إن لم نقل جزءاً من الأزمة نفسها. قيادات تخوض سباقا محموما نحو المجد الشخصي والمكاسب الصغيرة، فيما القواعد العمالية تترك وحيدة في وجه سياسات الغلاء والتهميش والهشاشة والتفقير.
إن مناقشة هذا الواقع بكل جرأة ووضوح، كما يحاول مجموعة من المناضلين القيام به من خلال هذه المحطة ومحطات عدة أخرى، هي ضرورة ملحة لاستعادة البوصلة. إنه مدخل لتشريح الجرح، وفهم كيف تحولت النقابات من أدوات تحرر إلى عقبات في طريق النضال، وكيف تم إفراغها من محتواها الطبقي، واستبدال ثقافة المواجهة بثقافة "الشراكة الاجتماعية" التي لا تخدم إلا طرفا واحدا: طرف النظام ورأس المال.
لذلك، يبقى السؤال المطروح بقوة: كيف يمكن للطبقة العاملة أن تستعيد مؤسساتها النضالية من قبضة البيروقراطية والتواطؤ؟ وكيف يمكن بناء جيل جديد من القيادات النقابية الثورية، يعيد ربط النضال اليومي بالاستراتيجي، ويجعل من العمل النقابي مقدمة لبناء قوة سياسية حقيقية قادرة على منازلة النظام على أسس طبقية واضحة؟
إن المعركة صعبة، لكنها ليست مستحيلة. وخوضها يبدأ أولا باستعادة الوعي النقدي داخل صفوف العمال والمناضلين، وكشف زيف القيادات التقليدية، والتوعية باهمية العمل النقابي القاعدي وسط القطاعات العمالية، والعمل على بناء هياكل تنظيمية قاعدية تتأسس على الشفافية والديمقراطية الحقيقية والارتباط العضوي بقضايا الطبقة العاملة. إنها معركة استعادة الروح الطبقية الثورية لنقاباتنا، قبل فوات الأوان.
إن التقدم في الجواب على هذا التحدي هو المشترك الحقيقي في دعم التفكير ومعارك الطبقة العاملة اليوم وغدا. الطبقة العاملة هي القوة وهي النقيض الحقيقي الذي بإمكانه قلب الموازين، وليس باقي القطاعات أو الإطارات أو المجموعات. فالانخراط في خط البناء الصحيح للجسم العمالي وتوجيهه في اتجاه خدمة قضاياه هو الدعم المطلوب، وهو المهمة التي لا محيد عنها، وأكيد في هذا المسار يندرج التأطير والدعم والتوعية السياسية والمساندة الميدانية والدعم المالي.
وفي هذا السياق، يبدو الجواب في شروط الراهن مساهمة لن تكتمل وتتطور إلا بإسهام المناضلين الملتصقين نضاليا ومبدئيا بالطبقة العاملة وبجماهير شعبنا.
لذا، لا يمكن تقديم وصفات جاهزة، فكل سياق وطني له خصوصيته، لكن يمكن التفكير في مجموعة من الاتجاهات الممكنة بناءً على تجارب نضالية في سياقات مشابهة:
1. العودة إلى النقابات من القاعدة
بحيث لا يمكن الحديث عن النضالات العمالية في كل قطاع ومعمل وشركات وضيعات فلاحية بمعزل عن العمل النقابي.
فالتنظيم النقابي هو أحد مكتسبات الطبقة العاملة التي قدمت من أجله الغالي والنفيس، ليس من باب العرف بل من زاوية الحق في التنظيم للدفاع عن المصلحة المشتركة للعمال.
لذا لا يمكن تطوير نضالات العمال في كل قطاع دون تنظيم يؤطر كل عمال القطاع.
والتنظيم الذي ينجح في تأطير القاعدة العمالية هو تنظيم يتم بناؤه من القاعدة.
لذا تعد مهمة إعادة بناء النقابة من القاعدة مهمة لا محيد عنها للحديث عن تقوية نضالات العمال وتصليب وحدتها.
وغياب القيادات النضالية الحقيقية لا يعني غياب الرغبة في التنظيم بين العمال.
فهناك إمكانية للتركيز على:
· تشكيل لجان أو مجالس نقابية قاعدية في مواقع العمل، ولو خارج الهياكل التقليدية، تعمل على رفع الوعي النقابي للعمال وتربط القضايا اليومية (الأجور، السلامة المهنية، ساعات العمل…) بقضايا الطبقة العاملة الاستراتيجية.
· الانخراط في النقابة والعمل على انتخاب مكاتب مناضلة مرتبطة بالعمال وليس بالولاء للمركزيات أو للإدارة، لبناء قيادات نضالية جديدة، حتى داخل النقابات القائمة، مما يخلق تناقضات داخلية ويوسع مساحات التأثير.
2. بناء تحالفات اجتماعية موسعة
مع الحركات المناضلة ومع نضالات الفئات الشعبية المناهضة لمخططات النظام، وعيا من مناضليها كون عزل الطبقة العاملة يضعفها.
لذا يمكن العمل على:
· الارتباط بالحركات الاجتماعية (السكن، الصحة، التعليم، الشغل، الفلاحين في دفاعهم عن أراضيهم ومصالحهم…) لأن قضايا العمال تتداخل مع قضايا الجماهير الشعبية.
· الربط مع النضالات في المناطق الصناعية والفلاحية عبر جميع الجهات والمناطق والقطاعات حيث تتركز الطبقة العاملة (الدار البيضاء، طنجة، جهة سوس ماسة، القنيطرة، مناطق المناجم…).
· خلق تواصل نضالي وتقوية الدعم والتضامن مع الحركة الطلابية وحركة المعطلين، التي تعاني قاعدتها أشكالاً حديثة من الهشاشة والعمل غير المستقر.
3. تطوير أدوات تنظيمية جديدة
في ظل غياب الدرع السياسي للطبقة العاملة، أي تنظيمها السياسي الثوري، يمكن التركيز على أشكال تنظيمية مرنة:
· مثل هياكل تنظيمية للتنسيق بين القطاعات العمالية المتقدمة في التواصل والنقاش، لتكون بديلا عن الهياكل البيروقراطية سواء في تعميق تواصل العمال في مختلف القطاعات باعتبارهم جسماً طبقيا واحدا، أو في فضح أدوار المركزيات في إضعاف وحدة العمال وشل قوتهم القاعدية.
· الاستفادة من الفضاءات الرقمية للتنظيم والتنسيق، مع الحذر من المراقبة، واستخدامها لنشر الوعي الحقوقي والنضالي.
· التفكير بجدية في بناء صندوق تضامن عمالي لدعم المضربين والمفصولين تعسفيا، مما يخلق شبكة أمان تعزز القدرة على المواجهة وتضمن الصمود في المعارك.
4. النضال على واجهة التكوين ورفع الوعي الطبقي
فغياب القيادة المنظمة لا يعني التسليم بغياب الوعي وتأجيل مهمته إلى حين.
إن العمال في حاجة إلى الوعي السياسي والنقابي والحقوقي والتكوين المعرفي، وهو ما يتطلب:
· تنظيم دورات تكوينية في التاريخ النضالي، والاقتصاد السياسي، وقانون الشغل وقانون المالية باستمرار لتأهيل كوادر جديدة قادرة على تحليل الواقع وبناء الاستراتيجيات.
· توثيق انتهاكات القانون الاجتماعي والعمل إلى جانب المنظمات الجادة على مستوى حقوق الإنسان لتحويل القضايا الفردية للعمال إلى قضايا رأي عام.
5. الربط بين نضالات الطبقة العاملة وقضايا التحرر
وفي مقدمتها دعم المقاومة الفلسطينية، فهذه القضية تختبر مواقف القوى النقابية وتكشف مدى ارتباطها بالتحرر من قبضة الأنظمة الإمبريالية والرجعية والصهيونية.
ختاما، يمكن اختصار النقاش بقولنا: النضال عملية تراكمية.
مما يعني أن غياب القوة السياسية المنظمة والمنسجمة ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وظروف موضوعية. وبناء هذه القوة لا يحدث عبر بيانات شعاراتية، بل عبر تراكم النضالات اليومية، وتكوين الكوادر، وربط القضايا بالمشروع الطبقي للطبقة العاملة.
الطبقة العاملة في المغرب، رغم كل محاولات التفكيك والتهميش، تمتلك تراثا نضاليا غنيا (من إضرابات السبعينات وانتفاضات الثمانينات من القرن الماضي، إلى انتفاضة 1990، انتفاضة 20 فبراير، الإضرابات الأخيرة في قطاعات الصحة والتعليم والصناعة والفلاحة، والمناجم…). البناء على هذا التراث، وتجاوز أخطاء الماضي، وتطوير أدوات تنظيمية تواكب تحولات الرأسمالية المعاصرة، هو الطريق الواقعي لدعم نضالاتها.
المطلوب اليوم هو التحلي بالنظرة الاستراتيجية، والتركيز على بناء القاعدة، وتكوين الكوادر، وخلق ثقافة نضالية جديدة تتجاوز النمط التقليدي الذي ثبتت محدوديته، وتستفيد من تجارب نضالية في العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار واقع الصراع الطبقي في بلادنا.
