ندوات ولقاءات وتصريحات.. يتسابق الجميع، كل من موقعه، لإعادة بناء "الإجماع" حول صياغة عهد كمبرادوري جديد، وتجديد خطط الحرب على الشعب المُفقر المَنهوب.
مشاهد جديدة في مسلسل سياسي بائس.. هذه هي حقيقة نظام الكمبرادور.
من أجل إنقاذ طبقتها بعد الهزة العنيفة للشارع المغربي، والذي قدم شهداء ومعتقلين بالعشرات، وهو يواجه بالصدور العارية، في ظل فراغ سياسي قاتل، تسارعت خطى الإمبريالية الغربية والكيان الصهيوني وأنظمة التبعية والتطبيع في الخليج، لصناعة مشهد وتمثيل مسرحية دفن "حق الشعوب في تقرير مصيرها". ذلك في ظلّ تنافس الأقطاب العالمي الحاد حتى درجة التناحر، سعيا لخنق أي إمكانية لامتداد الهزة إلى شوارع المنطقة كما حدث مع ما سمي "الربيع العربي"، وتقديم "خريطة طريق" لتجديد هذا الإجماع.
وفي ممرات العفن السياسي، تزاحم، ويتزاحم، عبيد النظام ورواة الأساطير ومثقفو البلاط وخدم القصر - سياسيون ونقابيون وجمعويون - إلى جانب "المعارضين" المراوغين، احزاب وقيادات نقابية وجمعوية. كل منهم يحمل وصفة "سحرية" مختلفة، من "حكمة" و"عبقرية" و"وطنية" مزيفة، لإضفاء هالة "النصر المبين" و"الإجماع المقدس" على عرش نظام فاسد، راع للفساد، حارس للمصالح الاستعمارية والصهيونية، والتمسك بعهد البيعة لما بعد...
بلاغات لسانية تتحول بها الوحشية إلى قداسة.. حتى ليصورون "ترامب" - ممثل الرأسمالية المتوحشة والاحتكارات الأمريكية - وكأنه حام لحقوق الشعوب والعدالة الكونية، وراع للعدالة الدولية وتوزيع الثروة بعدل! إله مزيف إذا قال "كُن" يكون.. وبمشيئته تزول بؤر التوتر!.. أيديولوجيا هزيلة وساخرة.
سيرك حقيقي.. لكن العرض لا تُباع تذاكره.. حتى أن الطبقة الكمبرادورية جهرت بالجمر والرصاص، وهي تجدد قبضتها على المشهد المهتز، في محاولة يائسة لإعادة تسويق إرهاب النظام الذي أصبح نتنا، وزرع الرعب للحد من قوة الهزة، ولخنق الشارع.
دائما كانت النخبة تتهافت. واليوم برزت بشكل جديد، تحت اسم "المؤثرين". ظهروا كأفراد ومجموعات ذات ولاء سياسي.. ترافقهم آلة إعلامية تضخم سيرهم الذاتية، فيتحولون فجأة إلى "علماء" و"خطباء" مهرجون، في عملية احتلال لمواقع الشخصيات السياسية والثقافية المفلسة، لخلق وهم أن "نحن نعرف أفضل من الآخرين ما يحتاجه الوطن".. جميعهم "ناجحون"، يتسابقون لتقديم "معارفهم" وتوظيف "مواهبهم" لإنقاذ البلاد/النظام!
بينما ما يمنح الفعل أصالة ومصداقية هو طبيعة الشخصيات التي تشارك فيه، وليس الفعل بذاته. فلا غرابة أن بدا المنتوج أشبه بما يبدعه "شَنَاقَة الأسواق".. بل إن حركاتهم أتفه مما تنتجه عروض البالونات.. مشاهد مضحكة مبكية.
صحيح أنها تمنح النظام نفسا مؤقتا، لكنها لا تزيل عنه ما يهدد استقراره.. فمعاناة الشعب وآلامه، مصدر الهزات، باقية كما هي في ظل نظام وجوده قائم على خدمة الاحتلال غير المباشر للبلاد، بل يتفاقم الوضع للأسوأ.
