وهل يقف نضال الثوري عند حدود الكتابة في ظل التحولات الجارية في عصرنا؟
المناضل الحقيقي لا يكتب حبرا على ورق، بل يكتب بدمه على جدران الزنازين، بنبض قلبه على أرصفة المدن، بعرقه في حقول المعارك. كتابته ليست ترفا فكريا، ليست تصفية للحسابات، ليست خدمة لاجندة، ليست للنجومية وابراز الذات،.. بل سلاح في معركة الوعي.
المناضل يكتب لأن:
القلم في يده كالبندقية في يد المقاوم - أداة تحرير..
الكلمة عنده كالرصاصة - يجب أن تصيب الهدف..
الحقيقة سلاح لا يهزم، والفكرة قوة لا تقهر..
المناضل يكتب لشعبه:
للعامل في المصنع الذي يسرقون عرقه..
للمرأة المضطهدة في الحقول والمعامل..
للفلاح في الحقل الذي ينهبون خير أرضه..
للمياوم الذي يخرج كل يوم لمواجهة المجهول..
للأم التي تنتظر خبزا لأطفالها..
للشاب الذي سرق، وحرم، مستقبله..
المناضل يكتب ضد:
ضد لصوص القوت الذين يختزلون الإنسان في رقم إنتاجي..
ضد مصاصي الدماء الذين يشربون من عرق الكادحين..
ضد تجار الحروب الذين يثرون من دمار الشعوب.
ضد الكمبرادور عميل الإمبريالية والصهيونية..
ضد البياعة سياسيين ونقابيين وجمعويين..
ضد مزيفي الحقيقة، تجار الأقلام..
المناضل الحقيقي:
ليس من يتشدق بالشعارات في المقاهي، بل من ينزل إلى الساحات.
ليس من يكتب عن المعاناة من برج عاجي، بل من يعيشها في قلبه وجسده.
ليس من يتغنى بالثورة، وترديد ألف باء العمل الثوري والنظريات الثورية، بل من يصنعها بحجراته وخطواته .
المناضل الثوري يعرف ان حل الإشكاليات يكون بالعمل وليس بالشعارات، وأن الثورة لا تُبنى بالخطاب، بل بالممارسة المنظمة والتحليل العلمي. وان حل المعضلات التنظيمية والسياسية العويصة لا تكون بالجمل الثورية والشعارات الكبيرة والعبارات الطنانة، بل بالعمل الثوري والاجابات العملية الملموسة والمنسجمة.
المناضل الحقيقي يعرف أن الكلمة التي لا توقظ النيام، ولا تشحذ الهمم، ولا تفضح الظالم - ليست سوى حبر على ورق.
في زمن تحولت فيه البشرية إلى بضاعة، والعلاقات إلى معاملات، والأحلام إلى سلع - تصبح كلمة المناضل شمعة في ظلام، ومنارة في عاصفة.
المناضل لا يكتب لنفسه، بل يكتب لشعب يبحث عن بصيص أمل، لأمة تبحث عن هويتها، لإنسانية تبحث عن كرامتها.
وهل يقف نضال الثوري عند حدود الكتابة في ظل التحولات الجارية في عصرنا؟
مناضل اليوم، هو مناضل عصره.
هذا العصر يتميز بأدوات جديدة تشهد عليها تجربة "حراك جيل زد". وهي ظاهرة فريدة، تمثلت في انخراط أبناء الكادحين على نطاق واسع استجابة لدعوات نشرت عبر منصات التواصل الرقمي. هذه الظاهرة تعد الأبرز منذ ما عرف بـ"الربيع العربي"، وتكشف عن تحول جوهري في أدوات الصراع.
لقد أتاحت الوسائل التقنية الحديثة - من اتصال رقمي فوري، وبث مرئي مباشر، وتوظيف للذكاء الاصطناعي - أدوات غير مسبوقة للعمل الثوري، سواء في مجال التحريض والتعبئة أو في التنظيم والتواصل مع الجماهير. هذه الأدوات أجبرت أساليب العمل التقليدية على التطور، وحكمت على كل من تخلف عن ركب التحديث التقني بالإقصاء والتهميش.
والثوري الحقيقي ليس من يتمسك بحرفية الأساليب البالية، بل هو من يطور أدواته ويستفيد من كل إمكانيات عصره.
وبفعل هذا التخلف، وجدت معظم التنظيمات السياسية التقليدية نفسها على هامش الصراع الحقيقي، تاركة الساحة شاغرة أمام القوى الأكثر تنظيما وبراعة في استخدام هذه الأدوات الحديثة. لقد أصبح التحدي التقني جزءا لا يتجزأ من التحدي السياسي، وأصبحت المعركة الرقمية ميدانا حاسما في معركة الوعي.
فإما أن نواكب تطورات العصر، وإما أن نترك في غبار المعركة.
فلنجعل من اقلامنا سيوفا، ومن كلماتنا رصاصات، ومن حروفنا شهداء.
حسن العبودي
2025/11/04
