2026/01/10

م.م.ن.ص// مأساة شاسعة

مأساة شاسعة تملأ كل ربوع البلد... آلام وفقر وقهر واستغلال وتشرد، وقساوة الطبيعة، وقساوة النظام.

 

في المغرب، برد يزحف عبر أقبية المدن المظلمة وأزقتها، ولا يوقف زحفه سوى جدران القصور والفلل. برد يستقر في ملاجئ الفقراء بأحياء الصفيح، وينفذ إلى "أكواب" الريف النائية في كل أرجاء الوطن. تتعمق قسوته تحت الخيام البلاستيكية والصفيحية المنتشرة في الحوز والأطلس، وعلى أحزمة المدن الكبرى، وفي السجون 
برد لا يشعر بقساوته الحقيقية وخطورته سوى المشردون في زوايا الأزقة، والقابعون خلف الأكوام، والعمال والفلاحون المعدمون، والفقراء، والمعتصمون ليل نهار أمام المصانع مطالبين بحقوقهم المسلوبة، والقابعون خلف الجدران الاسمنتية،  والمضربون عن الطعام في السجون وخارج السجون.. برد يخترق العظام ويترك خلفه أطفالا ونساء ينتظرون عودة المعيل... إن عاد. فإما أن يسقط الرجل منهارا تحت الخيام البلاستيكية في الحوز أو على سفوح جبال الأطلس، أو أمام فندق الريف في مكناس، أو على أبواب معمل "نوماطيكس" في طنجة... وإما أن يسجن بتهمة النضال من أجل حقوقه، أو لأنه أبى الانصياع لنظام "الموت في صمت" الذي يسميه القانون انضباطاً. 
وجواب النظام؟ بروباغندا "المساعدات" التي تقدمها المؤسسات "الخيرية" – أو بالأحرى مؤسسات النهب – الرسمية والخاصة. وتبدو هذه المساعدات لا كقطرة ماء في محيط عطش، بل كذرة رماد في فرن ملتهب. وهي، في جذورها، ليست بريئة البتة؛ فهي تحتاج إلى استمرار معاناة الضحايا كي تبرر وجودها. 
فما هو الخيار المتبقي إذن؟ 
أيها العمال المعتصمون في طنجة ومكناس تحت الخيام البلاستيكية، وأيها المنجميون في أعماق الأرض، ويا ضحايا زلزال الحوز، ويا من حولتم الحمير إلى سيارات إسعاف على جبال الأطلس، ويا مشردي الأرصفة، ويا مضربي الجوع في قصبة تادلة المطالبين بعمل يحفظ الكرامة... كيف تجرؤون على تعكير صفو "أفراح" الوطن؟! ألا ترون أننا في زمن البهجة والاحتفاء؟! كيف تُنفق الملايين على المآثر "الوطنية" بينما أنتم تخدشون صورتَها الناصعة؟! ألا تحبون وطنكم؟! 
اليوم، يشغلون الكل بلعبة الكرة المستديرة، ويصنعون عليها إجماع صمت مع القيادات السياسية والنقابية والحقوقية... ويجعلون الجل يترقب المباريات المصيرية، فتمتلئ المقاهي قبل الصافرة بساعات. حديث التكتيك والتشكيل هو حديث الساعة الذي لا يعلو فوقه حديث. فكيف تتجرؤون أنتم – يا من تعانون في هذا الجو المشحون باللهو المُوَجه – على رفع الشعارات وتنظيم المسيرات... يا عمال طنجة، ويا مضربي الجوع في قصبة تادلة؟ 
اليوم، خرج العشرات من عمال المنطقة الصناعية "المجد" في طنجة في مسيرة احتجاجية، بعد أكثر من شهرين من الاعتصام أمام معمل "نوماطيكس"، محرومين من أجورهم، يواجهون التجويع والتشريد وبردا قارسا يضاعف معاناتهم. 
ومن هنا، وعلى هذا الطريق، أيها العمال، وأيها الفلاحون المعدمون، وأيها الفقراء، وأيها المشردون... يكمن الخلاص الحقيقي. 
الخلاص الحقيقي لا بد أن ينبع من الذات: من الشعب العامل الفقير، الضحية الأولى، ومن الشباب اليائس، ومن الأطفال الذين هم ضحايا مضاعفون. المنقذ الحقيقي من قساوة الطبيعة وظلم النظام، هم نحن. في وحدتنا، في تضامننا، في بناء تنظيمنا القوي. وفي دعم كل من يحس بألم المهمشين، وكل من يتضامن حقاً مع نضالهم من أجل الحرية والكرامة. 
كل التضامن مع عمال طنجة ومكناس، ومع عمال المناجم في مريرت وعبر كل ربوع الوطن ومع المضربين عن الطعام بقصبة تادلة.. نضالكم من أجل الحق والكرامة هو الأمل الوحيد في دفء حقيقي، لا يأتي من سماء البلاد، بل من إرادتكم التي لا تنكسر.




شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق