2026/01/04

م.م.ن.ص// "عصر الافتراسية"، الى اين؟

يمتاز تاريخ الولايات المتحدة عن غيرها من انظمة العصر بسردية متراكمة لخطط الافتراس المنظمة، منذ بداية التصفية للسكان الأصليين الى اليوم، وكل ما

 يستهلك من بطولة ليست سوى اساطير المؤسسة.  هذه السياسات ليست ماركة مسجلة باسم دونالد ترمب،  ولا هي بدأت معه، بل جاءت كتجسيد صارخ وعدواني لتقليد إمبريالي متجذر يعود لعقود، بل لقرون. إنه تقليد بُنِي على ثلاثية التوسع الإقليمي عبر إبادة السكان الأصليين، والهيمنة الاقتصادية عبر شراء خونة شعوبهم وإسقاط الحكومات الوطنية، والتفوق العسكري عبر شبكة عالمية من القواعد المبنية على المرتزقة الدوليين والحروب بالوكالة. دول أمريكا اللاتينية، من غواتيمالا عام 1954 إلى تشيلي عام 1973 وصولاً إلى فنزويلا اليوم، تعرف هذا النمط جيدًا. إنها لم تشهد "تأثيرًا" أمريكيًا فحسب، بل عانت من عملياتد موية لقلب الأنظمة، ودعم ديكتاتوريات عسكرية، ونهب منهجي لثرواتها، كل ذلك تحت شعارات متجددة من "الحماية" و"الديمقراطية" و"مكافحة الإرهاب". الإمبريالية هنا ليست سرًا، بل هي بنية علنية للسلطة، تدرس في أكاديميات الحرب، وتمارس في مجالس الأمن القومي، وتبرر في خطابات الرؤساء، وتروجها النخبة ومؤسسات الاعلام. 
نحن، إذن، لا نعيش فقط في عصر تهيمن عليه الدول المفترسة على المسرح العالمي، بل في نموذج حضاري كامل صارت فيه "الافتراسية" هي المنطق السائد والمسيطر. إنه منطق يتجاوز السياسة الدولية ليخترق نسيج مجتمعاتنا نفسها. إنه العقلية التي ترى في العالم، وفي الآخر داخله، موردا  للنهب والاستغلال والاستهلاك، لا شركاء في الوجود أو كيانات تحمل قيمة ذاتية. هذه ليست مجرد استعارة؛ إنها البنية التحتية للأخلاق في زمن تحولت فيه القيمة السوقية إلى مقياس وحيد للقيمة الإنسانية. 
لننظر حولنا. "الترامبات الصغار" في كل مكان، ونقول لصغار العقول،  أولئك المديرون الذين ينهبون حقوق العمال ويمزقون شبكات الأمان الاجتماعي باسم الكفاءة، والسياسيون المحليون الذين يبيعون المصلحة العامة لأعلى المزايدات من الشركات، والمستثمرون العقاريون الذين يحوّلون السكن الحق إلى سلعة للمضاربة، والمشاهير على وسائل التواصل الذين يصطادون المتابعين بالكراهية والإثارة.. "ملوك" هم، و"اخنوشات" هم، و"امراء" هم، و"اسياد" هم، "ورؤساء" هم.. كلهم ترامبات صغار..
انهم لا يقلدون ترمب فحسب؛ إنهم يجسدون نفس المنطق: منطق القوة العارية، والاستغلال المباشر، وتحويل كل شيء وكل شخص إلى فريسة محتملة أو أداة للصيد. لقد صار الافتراس فنّا للحياة وإستراتيجية للترقي الاجتماعي في عصر الانحدار والجزر للمقاومة. 
في هذا السياق، فإن نهب ثروة فنزويلا – كحدث دولي صارخ – ليس مجرد جريمة بحق شعب آخر. إنه إعلان عال وتوضيحي، درس مفتوح في القوة. إنه يرسل رسالة مدوية إلى كل "المفترسين الصغار" في كل ركن من أركان الكوكب: "انظروا، القوة العليا تتصرف هكذا. القواعد لا تنطبق على الأقوياء. الحق هو ما تستطيع انتزاعه. اتبعوا هذا النموذج". إنه يطبع الشرعية على منطقهم اليومي، ويقول لهم إن ما يمارسونه على نطاق صغير هو بالضبط ما تقوم به الإمبراطورية على نطاق واسع. إنه يحوّل جشعهم المحلي من خطيئة شخصية إلى محاكاة ناجحة للقوة العالمية. 
الرسالة المرسلة هنا بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في تداعياتها ومروعة في أبعادها: "العالم الخارجي هو غابة. اصطاد أو تُصطاد. وإذا نجحت في اصطياد ما هو 'هناك'، فسيصبح نمطك هو القانون 'هنا'". إنه انهيار للحاجز الأخلاقي بين الداخل والخارج، بين المحلي والعالمي. فعندما تعلن القوة العظمى، دون مواربة، أن القانون الدولي غطاء زائف وأن الثروة تُسلب بالسلاح، فإنها تسمح لكل نظام سلطة هرمي، في الشركة، في المؤسسة، في العائلة أحيانا، بأن يتخلص من قيود الأخلاق والعدالة ويعلن: "هذا هو قانون الوجود الحقيقي". 
وعندها، في ظل هذه الفلسفة العامة، يتحول السؤال الجوهري من سؤال عن "الحق" أو "العدالة" إلى سؤال تقني محض عن موازين القوة. لم يعد النقاش يدور حول ما هو صائب أو خاطئ، أخلاقي أو لا أخلاقي، بل حول "من يملك القوة ليفرض إرادته؟". الحق يصبح نتاجا ثانويًا للقوة، والعدالة مجرد تسمية يطلقها المنتصر على نظامه. في هذه المعادلة الكئيبة، مصير الضعيف – الفرد أو المجتمع أو الأمة – لا يتحدد بجدارته أو بحقيقة قضيته، بل بمدى سرعة تحوله إلى هدف، وبمدى سهولة ابتلاعه. السؤال المحتوم ليس "لماذا أنا الضحية؟" بل "كم من الوقت بقي لي قبل أن تنقض علي المخالب؟". إنه عالم حيث الخطر ليس في فقدان المعركة، بل في فقدان القدرة حتى على خوضها، حيث تصير الفريسة مجرد وحدة في حساب الربح والخسارة لمن يملك القوة.
هذا التحول من مجتمع تحكمه مبادئ، ولو نظرية، إلى غابة تحكمها الغرائز والصولة، هو أخطر ما ينتجه "عصر الافتراسية". إنه لا يهدد فقط بالحروب والنهب على المستوى الدولي، بل يسمم ينابيع التعاون والثقة والإنسانية المشتركة داخل المجتمعات نفسها، ليحول الحياة من رحلة جماعية نحو بناء مجتمعات انسانية، حيث الإنسان لا يستغل اهاه الانسان، إلى سباق وحشي للبقاء، حيث الجميع مشكوك في نواياهم، والجميع محتمل أن يكونوا جلادين أو ضحايا في أي لحظة.
إنه تحدي خطير وعبء آخر يتطلب بناء قوة الشعوب، بدل التيه في دروب ينسجها الأعداء..




شارك هذا الموضوع على: ↓


تعليقات فايسبوك
0 تعليقات المدونة

0 التعليقات:

إرسال تعليق